فن وثقافةفي الواجهة

تازة: من نبض الفنون التشكيلية بالمدينة الى حين

تازة: من نبض الفنون التشكيلية بالمدينة الى حين

le patrice

السفير 24 – عبد السلام انويكًة

منذ استقلال البلاد انما خلال زمن ثمانينات وتسعينات القرن الماضي خاصة، لطالما كانت الصورة ومن ثمة جمالية التعبير والفن التشكيلي، أثاث مشهد ثقافة وتعبير بتازة ودينامية ابداع ومبدعين، لِما طبع هذه الفترة التي تنعت بالذهبية من وفعل وأثر حتى نهاية عقد الألفية الجديدة الأول. وغير خاف عن عارفين وفاعلين ما كانت عليه أمكنة المدينة وأزمنتها من تلقي فني جمالي تشكيلي واسماء وتجارب واقبال معبر وتأمل ونوع الى عهد قريب، كذا ما كان عليه فعل مجتمع تازة المدني التشكيلي من تدفق عطاء وتنوير فني وايقاع ملتقيات، فضلا عما كان لحركة المدينة التشكيلية أيضا من وقع في تكامل مشهد ثقافي لِما كان يميز مواعيدها من تباين تجارب وإغناء حس واضافات لمشهد ابداع وهيبة وتحف أعمال تعبير وجديد وتجديد وتنافس شريف وتلاقح.

هكذا كانت تازة بفنون تشكيلية مؤثثة واعلام شأن وتجارب واسماء الى عهد قريب، وهكذا ما كانت عليه المدينة من حضور وذاتِ ابداع طافحةٍ ضمن وهج ثقافة وايقاع وهيبة وسلطة مبدع أيضا. كذا من طاقات ابداعية وحضن ونبل وغيرة وصي جعلت تازة بما كانت عليه من صدى قوي وأثر هنا وهناك، ومن ثمة ما أثث المدينة من روابط وتشارك وتدافع وتجليات ابداع كان بما كان من تلاقح وتنوير. وبعيدا عما عام ثقافي وذاكرة محلية في هذا الاطار لاشك أن الحديث عنها ذو شجون، ارتأينا فقط بمختصر مفيد بعض السؤال عن حال واحوال تشكيل تازة وتشكيلييها، من خلال ما يبدو جليا من ملمح، الى حين ما ينبغي من نظر فاعلين مختصين ومهتمين ومتتبعين قد يكونوا بطرح أهم وأوسع واشارات أفيد، صوب ما كانت عليه المدينة من مساحة جدل وتميز وماض وتماسات هنا وهناك، قبل ما هو عليه كائن تعبير وموقع تشكيل.

يذكر أن تازة بأعلامها التشكيلية وتجاربها كانت باسهامات وقيم فنية وتيمات وانسان منذ استقلال البلاد إن لم نقل قبل ذاك بفترة، هكذا على امتداد أزيد من نصف قرن كانت المدينة بتدفقات جمالية، فضلاً عما طبعها من توقيع وقضايا وتقاطعات تعبير لاحقة، ليس فقط على مستوى داخل البلاد وايقاعه الفني، انما ايضا في علاقة بما هو عربي ودولي. تلك هي روح تشكيل تازة التي كانت بدور في فعل ثقافي مشهد تثقيفي، عبر تجارب واسماء كانت بانخراط قوي معبر في مساحة المحلي قبل ما يبدو من بياض ونتوء مثير لسؤال.

ويسجل أنه بقدر ما كانت المدينة وعاء فعل وتيمات فنية تشكيلية فسيفسائية، بقدر ما تقاسمتها بصمات تجارب بدأت الى حين ما ينبغي من جمع وبحث وتوثيق، مع العصامي التسعيني الأن “أحمد قريفلة” حفظه الله، شيخ واقعية تازة وواقعية المغرب وقيدومها، الذي اتحفت تجربته بما أتحفت وأغنت وأثارت لعقود من الزمن داخل البلاد خارجها. أحمد قريفلة الاسم التازي الذي بات برمزية انسانية كونية، يسجل لجمعية نادي المسرح والسينما بتازة ما كان لها من حضن لشخصه وتجربته، وتثمين لورشه وذاكرته ومساره ونبش وجمع وتوليف لعرشه، عبر ما كان للباحث الأديب الدكتور مداني عدادي من انصات لرمزه وعصاميته تعبيره الجمالي وعمره الفني، ومن التفات لأسرار كيانه الفني هنا وهنا بين أمكنة وأزمنة وطبيعة بدايات، من خلال عمل بيوغرافي أدبي رصين غير مسبوق موسوم”طائر الوروار”، في بادرة رمزية اعتبارية رفيعة الدلالة كانت بما كانت عليه من قيمة مضافة هامة لخزانة تازة الفنية والمغربية والعربية أيضا.

الى جانب هذا الاسم الجمالي التازي الجبل بكل ما في الكلمة من معنى، مسارا زمنا وسلطة فنية رمزية. نجد مساحة تجارب محلية وقمم كانت بما كانت عليه من بصمة وصدى واشعاع وسمو توقيع، ومن ثمة مجد تشكيل تازي وفترة ذهبية مشهود بها كذا حضور معبر داخل البلاد وخارجها. لعل منها تجارب واسهامات ونبوغ كل من الفنان محمد خلوف ومحمد قنيبو وعبد المجيد التوزاني رحمه الله ومحمد شريفي ومداني بلمدني وصباح التوزاني، فضلا عن محمد شهيد وعبد العزيز فتوحي وصلاح طيبي وفريدة محمودي وجلال التوزاني ومحمد ايمجان، كذا عبد السلام يندوز وعبد المجيد هيمص رحمهما الله تعالى وغيرهم كثير عن جيل متميز لاحق. هكذا بقدر ما يمكن تلمسه في ريبرتوار هؤلاء وخريطة تجاربهم وطبيعة مسارهم، من قيمة مضافة عالية لفائدة مكمن تشكيل بتوليف وجدل مادة ولون وكتل وتزاوج أشكال وصباغات وتماسات. بقدر ما يتبين أن تازة كانت حقا مدينة تشكيل بامتياز الى عهد قريب، وحقلاً خصبا لتجارب واسماء تعبيرية ريادية كانت بما كانت عليه من مشهد أعمال، حظيت بما حظيت به من حضن معبر وقراءات وثناء وإعجاب هنا وهناك عبر أروقة عرض وازنة داخل المغرب وخارجه.

ولعل من فضاءات المدينة في علاقتها بما كانت عليه من ذاكرة فنية تعبيرية جمالية تشكيلية الى عهد قريب، سواء تعلق الأمر بقاعة دار الشباب أنوال وما احتضنته من زخم فكري وفني وجمعوي تشكيلي لسنوات، أو بهو معهد موسيقي كثيرا ما كان مساحة أشكال تعبير بصري وقراءات وتلاقح تجارب مدارس فنية تشكيلية وطنية، أو بهو بلدية تازة على ايقاع طابع عمارة كولونيالية جاذبة كانت قبلة مواعيد جمالية عدة غير خافية عن متتبع وفاعل، فضلاً عما كانت تشهده ما كان يعرف بتازة العليا المدينة القديمة بقاعة المشور (المدرسة المرينية الأثرية) من حياة عرض ووقع ونبض تشكيلي من حين لآخر. ناهيك عن قاعة بعبق زمن وروح خاصة شهيرة في تازة الجديدة ب”ميموزا”، تلك التي ارتبطت بما هو فني تشكيلي أساسا منذ انفتاحها خلال تسعينات القرن الماضي بدعم وصلة عن بلدية المدينة، على عالم ثقافة المدينة واجناسها وأعلامها وتجاربها واسماءها، نظراً لِما احتضنته “ميموزا” هذه الذاكرة من لغة وكتل وتوقيع تشكيل كذا من افتتاح وتأطير وتنوير وقراءات وفكر وجدل تشكيليين مبدعين وعارفين باحثين.

رحاب من المدينة وغيرها من فضاءات مؤسسات، تحفظ ذاكرتها ما كانت عليه تازة من احتفاء بزخم عطاء تشكيل وتعبير رفيع، فضلاً عن ملتقيات وطنية بلغت ما بلغته من تراكم تجارب وأسئلة أسماء ودورات، واكبناها آنذاك خلال تسعينات القرن الماضي بعشرات المقالات باتت لا شك أرشيفا من اجل فكرة وتأمل وقراءة وبحث. ملتقيات تازة التشكيلية الوطنية هذه كثيرا ما كانت تؤثثها ثقافة تواصل وبرمجة خاصة، كالتي كانت تعتمدها الجهات المنظمة تقنيا في لقاءها بجمهورها خلال كل دورة، عبر افتتاحيات تنويرية بتقنية تسليط صور ثابتة أو من خلال أشرطة نصية مصورة، بقدر ما تستحضر روح مدينة وزمن وتراث رمزي محلي وحضارة، بقدر ما تضع ضيوف اللقاء في الصورة والموعد حول تشكيل المدينة الفني واعلامه وطبيعة جديد مجاله في علاقة بما هو محلي وطني ودولي، فضلا عما كان يطبع ملتقيات تازة الوطنية للفنون التشكيلية هذه، من تيمة ندوات ختامية رفيعة من قبيل ما هو حوار حضاري فني ومفاهيم وتجارب مغربية وهوية وتباين قيم واختلاف وخصوصية وقضايا ناشئة وتربية وفن تعبير وغيرها، تلك التي كثيرا ما كانت تؤطرها أسماء جامعة بين معرفة وفعل وبحث في شتى دروب ومسالك ما هو بصِلة.

تازة بملتقياتها الفنية التشكيلية هذه لسنوات، اسست ما أسست بالمدينة من رؤية وثقافة صورة لفائدة متلقي، وأثثت ما أثثت من فضاءات واطارات تشكيلية ومواعيد استهدفت قيم اجتهاد في الشأن، فضلا عن تنافس شريف وفرص عرض وتواصل الى جانب قيم تحفيز وسمو بموضوع ولقاء فني وذوق جمهور. كما ايضا قربت ما قربت من مسافات بين تجارب واسماء هنا وهناك من داخل البلاد وخارجها، ورسخت ما رسخت من ثقافة تعبير جمالي ولغة لوحة لدى جمهور وناشئة، وأغنت ما اغنت به البيئة المحلية من تساؤلات وقراءات وتأثير وتأثر وتنشئة على ثقافة حمولة وخلفيات صورة وتفكيك تعبير، كذا استضافت ما استضافت من أسماء وتجارب جمالية واقعية وسريالية وتجريدية وانطباعية وتكعيبية وعصامية وغيرها. هكذا كانت تازة التشكيلية الى عهد قريب رغم ما كان من تحديات وشروط تنظيم حاضنة لهذا التعبير الجمالي، رافعة من شأن هذا التعبير الجمالي ومن شأن أهله هنا وهناك من كل ربوع البلاد، وهكذا كانت تازة بفعلها وتفاعلها الفني التشكيلي وأعلامها ومجتمعها المدني وملتقياتها الوطنية، علامة مشرقة بارزة ومتدفقة في سماء التشكيل والفنون البصرية المغربية الجميلة عموما لسنوات من زمن مغرب راهن.

أين تازة الآن من هذا الزخم الذي طبع المدينة وهذا الشأن الابداعي الى عهد قريب، وأين يرتب ويصنف ويفهرس ايقاع تشكيل تازة وتشكيلييها الآن، على مستوى بناء صورةٍ وفعلٍ ريشة ولوحة وتوزع لون ومتعة بصر، ومن ثمة تربية ما ينبغي على ذوق وتأمل وموقف ورأي وقيم. وأين اختفى ما كان يؤثث المدينة من مجتمع مدني حاضن لجنس فني وتعبير جمالي مؤطر رفيع، بعد ما كانت عليه جمعية فضاء المغارات للفنون التشكيلية ومعها جمعة العبور من فعل مدني رفيع المستوى رسالة حلما وايقاعا الى عهد قريب، وبعد ما كان يملأ تازة من ملتقيات وطنية نبيلة وطروحات فكرية وتوقيعات وطيف تجارب عن هذه المدينة والجهة من المغرب وتلك، وما سر ما كانت عليه تازة من تنوع مشهد ثقافة ومادة وتعبير قبل ما يبدو من قطبية.

بل من رأي المدينة العام، من يتساءل عن سر بياض بات يطبع حال مجال فنون بصرية تشكيلية، مع غياب فعل وتفعيل يخص ما هي عليه تازة من تجارب، ليست بما ينبغي من اجراء واعتبار وقرب كمتعة بصر وأروقة ومواعيد. فضلا عن تساؤلات عما يبدو جليا من هامش وتهميش رغم ما هناك من فكر ورصيد وذاكرة رافعة لحقل ثقافة وابداع. وعن سر ما يطبع أيضا عجين تازة الثقافي من نمط بات واحدا أوحد منذ سنوات، عوض ما ينبغي من نظر وتجرد في أفق منشود صوب تنمية محلية واستشراف نخب وموارد فنية ومستقبل ثقافة مدينة، وفي أفق ايضا مشهد ابداع بدينامية جامعة لكل الطيف من اجل ما ينبغي من منبت وإنبات عبر ما هناك من أصول وأسماء وتجارب. هكذا يسجل لتشكيل تازة الذي بحوالي نصف قرن من الكيان منه من هو مرتب ضمن انسانية تراث، أنها جزء لا يتجزأ من هوية ثقافة مدينة وبيئة تعبيرية محلية، وانها باسهامات عدة داخل البلاد وخارجها أغنت بها ما أغنت من حضور وخطاب تشكيلي مغربي في بعده الحضاري الرمزي.

يبقى ما هو غير خاف عن فاعل، أن كل ابداع ومن ثمة ثقافة، هو وعي بما ينبغي صوب عوالم أنفس مجتمع، تلك التي بحاجة لأنسجة عمل من شأنها بلوغ انسانية انسان. وعليه، فعالم سحر فنون التشكيل التي كانت بوقع خاص بتازة الى عهد قريب، هو بحاجة لالتفات بنية وليس حدث من قِبل الجميع كل من موقعه، جهات وصية ومنتخبين وأسماء فاعلة وإعلام وسلطة رأي ومجتمع مدني. ليس فقط لِما لهذا التعبير الفني الجمالي من أهمية في تكامل صورة فعل ثقافي، وتنوير واضافة وإغناء لذات قارئ وتلقي ومن ثمة ناشئة. انما أيضا لِما تحفظه ذاكرة المدينة وما هي عليه من ذخيرة وغنى تجارب واسماء، من المهم والمفيد استثمارها ضمن ما ينبغي من تلاقح أجيال وتنويع مشهد، عوض كائن جامع بين تدوير ذات مع نمطية وبياضات الى حين.

عضو مركز ابن بري للدراسات والأبحاث وحماية التراث*

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى