السفير 24 – الدنمارك: البشير حيمري
قبل أن نتحدث عن ترشيد الخطاب الديني في الغرب والدور الذي يجب أن يلعبه الإمام أو المرشد الديني، لابد من الحديث عن دور مؤسسة المسجد ككل، فمسؤولية تجديد الخطاب الديني في الغرب لا تقع على عاتق الإمام فقط، بل يجب أن يقتنع بها كل مكونات المؤسسة، التي هي مسؤولة عن تمرير الخطاب الديني، وباللغة التي يفهمها الجيل المزداد في الغرب.
نحن نعيش تحديات كبرى اليوم، تتجلى في ارتفاع نسبة العداء للإسلام، الناتج عن التطرف والإرهاب، الذي تفشت مظاهره في المجتمعات الأوروبية بشكل كبير في السنوات الأخيرة، وهو سلاح التيار اليميني المتطرف، ولمواجهة هذه المواجهة التي ذهب ضحيتها أبرياء من الجالية المسلمة في العديد من بلدان العالم، في نيوزيلاندة ، والولايات المتحدة وألمانيا مؤخرا.
ولوقف هذه الحرب المعلنة على الإسلام، لابد من تبني خطاب يعتمد القيم المشتركة التي تجمعنا مع الديانات السماوية الأخرى بلغة تواصلية يفهمها ويتقن التواصل بها الجيل المزداد في الغرب، ومؤسسة المسجد بكل مكوناتها، ملزمة باحترام القوانين، ومواكبة ما يجري في المجتمعات الأوروبية، وعليها أن تعتمد خطابا جديدا يعتمد على مسألة الولاء للوطن الذي تعيش فيه هذه الأجيال، حتى لا تعيش في تناقض دائم، ولابد أن يقتنعوا بأن الإسلام الذي نتبناه يرتكز على مقومات أساسية هي التسامح والتعايش والحوار هو الخيار الذي يجب أن نسلكه في علاقتنا اليومية.
علينا أن نطرح أسئلة متعددة، ونحاول مناقشتها بيننا بكل واقعية وصراحة ونلقى أجوبة صريحة ومعقولة لها، فأمامنا تحديات كبرى ناتجة عن انتشار التطرف والغلو والإرهاب، الذي أصبح تهمة ملتصقة بالمسلمين عامة في كل مكان وبالخصوص المغاربة، الذين تورطوا في عدة أحداث في بلجيكا وفرنسا وإسبانيا وبلدان أوروبية أخرى، وعلى المؤسسات الإسلامية اليوم تحمل مسؤووليتها لتغيير هذه الصورة النمطية التي أصبحت في الغرب، والإعلام والأقلام الصحفية يجب أن تلعب دورها في تصحيح صورة الإسلام، وإبعاد شبهة الإرهاب عن هذا الدين، والتأثير في صناع القرار السياسي، والذي يتابع القرارات المتخدة مؤخرا من طرف أعلى سلطة في فرنسا، سيدرك التطورات السياسية المتسارعة، والتي ستنعكس على باقي الدول الأوروبية.
إن تزايد المد اليمني في أوروبا، وتحامل الصحافة والإعلام على المسلمين في أكثر من بلد أوروبي، يفرض على المؤسسات المهتمة بتدبير الشأن الديني اعتماد سياسة جديدة لتصحيح صورة الإسلام في أعين المجتمعات الأوروبية، وعليهم أن يعلموا أن مايجري من حروب في عدة مناطق في العالم تولد عنه لاجئون في غالبيتهم مسلمون يبحثون عن الأمن والسلام الذي افتقدوه في بلادهم، فوجدوه في الغرب، هؤلاء كانوا سببا في العداء اتجاه الإسلام كدين.
نحن ملزمون اليوم بتغيير هذه الصورة بالحوار وبخطاب ديني واضح ومتوازن، علينا أن نتحمل مسؤوليتنا جميعا كمؤسسات دينية، كرجال إعلام وصحافة لتبني خطاب يتبنى الولاء للوطن الذي نعيش فيه، ونبنى مستقبلا جديدا على أسس سلمية ونقطع الطريق على كل فكر تكفيري متطرف وارد، لأنه خطاب أصبح متجاوز علينا أن نستغل الحقوق الواسعة التي نتمتع بها اليوم في المجتمعات الأوروبية، حيث نعيش لنبني مستقبلنا ونحرص على الحفاظ على بنية المجتمع حتى تبقى متماسكة، إذا مسؤولية تجديد الخطاب الديني يجب أن تلعبه مؤسسة المسجد بكل مكوناتها، هذا الخطاب الذي يجب أن يتبنى قيم التسامح والتعايش والولاء للوطن الذي تعيش فيه الأجيال.
مؤسسة المسجد يجب أن تبقى بمنأى عن الصراعات التي ظهرت في الساحة، أو مايسمى بالإسلام السياسي ودور المجلس الأوروبي للعلماء، يجب أن يكون حاسما في جعل المؤسسات الدينية المغربية بعيدة عن هذه الصراعات، وحماية النموذج المغربي للتدين، المبني على الوسطية والإعتدال.
يجب أن نتحمل مسؤوليتنا جميعا في الحفاظ على هذا النموذج، ومواجهة المتدخلين المتسللين الجدد في الساحة الأوروبية الذين أصبحوا يدعمون أحزاب يمينية بالمال في أكثر من بلد أوروبي، وينظمون ندوات معهم، تحمل في طياتها تحريضا مبطن ضد المسلمين في أوروبا، وماجرى في دول أوروبية قبل أسبوع وقبلها في روما دليل على مانقول، ولن نترك هذه الفرصة تمر دون التنديد ببعض المغاربة الذين أصبحوا بالمكشوف ينسقون مع جهات شرق أوسطية تستهدف المساجد المغربية في العديد من الدول، بل تستهدف المذهب المالكي الذي عاش عليه المغاربة خلال عدة قرون وأصبحنا ملزمين بنقله للأجيال الحالية والقادمة.
وعلى ضوء هذا اللقاء المنظم يوم السابع من مارس بأوسلو، لابد من تقديم مقترحات يشتغل عليها الجميع، وتكون محور لقاءات مقبلة، ولابد من فتح نقاش مع كل المؤسسات المغربية لبلورة تصور متوافق عليه يخدم صورة الإسلام الذي نريده في الغرب، لتصحيح الصورة النمطية التي أصبحت ملتصقة بالمغاربة والنموذج المغربي للتدين، ولابد من اختيار محاور الندوات التي تنظم في المستقبل، وعلينا أن ندرك التحديات التي أصبحنا نواجهها في البلدان التي نعيش فيها، ولابد أن نزكي الخطاب الذي أصبح يعتمده المغرب وأن نوفر له كل الإمكانات، وتحسين وضعية الأئمة والمرشدين وتكونهم بلغات متعددة.
لابد من تحفيز المؤسسات الدينية المغربية والعاملين على تسييرها من خطباء ومرشدين، على المشاركة في الندوات المنظمة من طرف المجلس الأوروبي الذي يرغب في استراتيجيته الجديدة على تشجيع كل المبادرات التي تتخذ من طرف المؤسسات المغربية، وتعتبرها زاخرة بالكفاءات القادرة على تحمل المسؤولية، وتصحيح الصورة النمطية للإسلام الذي يتبناه المغاربة في عيون الغرب.
لابد أن تكون المنابر الإعلامية شريكا أساسي في دعم هذه الإستراتيجية، وخلق إشعاع لهذه المؤسسات التي تتحمل مسؤولية تدبير الشأن الديني، وتمرير الخطاب الديني المتزن، والعمل على تشجيع الإندماج في الحياة السياسية، ولعب دور إيجابي في المجتمعات التي نعيش فيها.
في الأخير قد يعيب علي البعض انتقادي للمتدخلين الجدد في الساحة الأوروبية، والذين يتحملون كامل المسؤولية في إذكاء الخلافات بيننا كمغاربة واستهداف النموذج المغربي للتدين، بإعتمادهم على مغاربة جندوهم بالمال لخدمة مخططاتهم رغم أنهم ليس لهم جاليات تنحذر من بلدانهم، في أوروبا والذين يتحملون كامل المسؤولية في نقل ونشر الفكر التكفيري في أوروبا، ولكن من باب الغيرة على النموذج المغربي للتدين سنبقى مجندين للتصدي لهؤلاء وفضح مخططاتهم، وتحركاتهم لحماية النموذج المغربي للتدين، من خلال دعم كل مبادرة يقودها المجلس الأوروبي للعلماء أوسلو في الثامن من مارس 2020.



