فن وثقافةفي الواجهة

المسرح المغربي تائه بين وزارة الثقافة والشباب والرياضة والإطارات النقابية

le patrice

السفير 24 | خالد الشادلي

يقف العقل حائرا و اللسان عاجزا عن تركيب كلماته المعهودة من هول ما يقع في الوسط المسرحي المغربي، ويكفي للمتتبع لأب الفنون أن يتجول في القاعات المسرحية على قلتها، و الملتقيات والمهرجانات، ليكتشف العبث المسرحي، فالرداءة هي العنوان المسيطر على العروض المسرحية، بإستثناء بعض الأعمال الجميلة التي تستحق المشاهدة، والتأمل فيها ودعمها؛ لأنها تلتزم بأدبيات اللغة المسرحية؛ بدءا من نص جيد يستوفي شروط الممارسة بحرافية، مرورا بإختيار الممثلين والممثلات بدقة متناهية بعيدا عن العصبية الصداقة والقرابة، ووجود إدارة فنية تعلم ما تريد قوله ووصولا الى الجانب التقني من سينوغرافيا و إخراج … ولعل مسرحية ” أسماء أخرى ” للمبدع محمد الحر، ومسرحية ” النمس” لأمين نسور المشاركين في المهرجان العربي للمسرح الأخير المقام في الأردن ، فالعملين يعدان من أبرز ما أبدع خلال هذه السنوات، الى جانب أعمال أخرى لا تقل إبداعا، لمبدعين جادين في الحفاظ على الطابع المسرحي المفعم بقضايا فلسفية كونية وأسئلة وجودية تهم الإنسانية.

وإن كانت هذه الأعمال المضيئة في سماء المسرح، فهناك مسرحيات تفتقد إلى اللمسة الإبداعية، وهذا يؤثر على الفعل المسرحي، بل حتى الصراع القائم الآن بين وزارة الثقافة والشباب والرياضة والنقابة المغربية لمهيني الفنون الدرامية، سيزيد من متاعب هذا الفن الجميل، وإن كان يعتبرها البعض فرصة للتأمل في وضعية المسرح ببلادنا، فحسب الباحثين في المجال المسرحي الذين أكدوا أن وثيرة الإنتاج المسرحي حققت قفزة بالمقارنة مع السنوات الأخيرة، لكن السؤال؛ هل هذا الإنتاج ساهم في تطور المسرح؟، فالجواب سيكون بالنفي بالنظر إلى المشاكل الكبيرة والمستعصية عن الحل، فالمجتمعات التي تحترم مشاهديها لا تهتم بالكم، بل بالكيف، – ممكن أن نتتج أكثر من مائة عرض مسرحي خلال السنة، و نفشل في تربية النشء على ثقافة مسرحية وذوقية-، فأغلب الجمهور المغربي ليست له ثقافة الفرجة المفعمة بنظرة الجمالية، فمنهم من يشاهد عرض مسرحي بعقلية كرة القدم ،علما أن المسرح فرجة هادئة تأملية جدالية بين العرض والجمهور، بل المسرح عملية تطهيرية، كما يقول أرسطو في كتابه ” فن الشعر”.

فالممارسة الثقافية والفنية والمسرحية على العموم، ممكن أن نجعل منها صناعة فرجوية مدرة للدخل، ولا سيما أن أغلب الفنانين في المجال المسرحي لا يتوفرون على دخل قار، وهذا يأزم وضعيتهم الاجتماعية والاقتصادية والنفسية والصحية، وهناك أمثلة كثيرة على ذلك، وهذا راجع بالأساس إلى طريقة الدعم المقدم من طرف الوزارة الوصية الذي لا يراعي تكافئ الفرص بين المسرحيين، وكذا ضعف التسويق التجاري للمنتوج المسرحي بشكل يضمن عروض قارة.
و من بين أسباب عدم تطور المسرح حسب بعض المختصين ، يتمثل في ضعف التكوين المسرحي بشكل يتيح للطلبة الإلمام بالحياة المسرحية حتى يسهل الإندماج بسرعة، وهذا ماجعل بعض خريجي المعهد العالي للمسرح والتنشيط الثقافي يفضلون السينما والأعمال التلفزية عن المسرح، بالإضافة إلى ذلك، نذرة البحث الأكاديمي داخل الجامعات المغربية، وهذا ما جعل أبو الفنون لم يرقى بعد إلى ما نطمح إليه، رغم أن الوزارة المعنية تخصص أموال باهظة تقدر بمليارات سنتيمات أو ما ينف، منذ حكومة التناوب الذي ارست قواعد الدعم إلى يومنا هذا، لكن مع الأسف المسرح لم يتطور كثيرا، بل الدعم كرس الريع،والمحسوبية والزبونية… ومنطق الربح على حساب الفن والجمال، فأغلب العروض المسرحية بعيدة عن حرافية ومهنية، إذ تناقش مواضيع تافهة غاياتها هو إضحاك الجمهور، لكن المسرح الحقيقي هو القادر على مناقشة قضايا فلسفية ذات طابع كوني، وإن كانت القضايا المحلية مهمة كذلك، لكن الإسترزاق على مايبدو أصبح العنوان السائد في زماننا، إلا بعض الأعمال التي تعطينا أمل بأن المسرح ببلادنا بخير.

فجميع مطالب بوقفة تأملية صادقة بعيدا عن التطاحن النقابي التي ابتليت بها الإطارات النقابية الفنية من جهة ، وبين الوزارة المعنية التي أصدرت مؤخرا بيان رد على النقيب مسعود بوحسين رئيس النقابة المغربية لمهيني الفنون الدرامية الذي بدوره رد على تصريحات منسوبة للوزير عبيابة الذي صرح في إحدى الجلسات البرلمانية بأن هناك عروض تعرض أمام كراسي فارغة، وهذا ما يحعلنا نفكر في إعادة النظر في الدعم، لكن هذه المشادات الكلامية لا تخدم الممارسة المسرحية في المغرب.

فرغم مرور على أول المناظرة تقريبا 28 سنة، والذي كان الحسن الثاني دعا من خلال رسالته السامية بتخصيص 1% من ميزانية الجماعات المحلية لدعم المسرح، لكن لاشيء تحقق على أرض واقع، فالممارسة المسرحية فعل مجتمعي يهم جميع مؤسسات الدولة، لذا وجب على جميع الإطارات النقابية والوزارة إيجاد حل لمشكل الدعم حتى يستفيد منه جميع الممارسين، بعيدا عن منطق الصداقة أو الزوبونية.

المسرح قاطرة حقيقية لبناء مشروع تنموي مثين وقوي.

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى