
السفير 24 – بقلم: ذ. حسن راقي – مدير النشر
لم تعد قضية الصحراء المغربية مجرد ملف سياسي يتجدد النقاش بشأنه داخل أروقة الأمم المتحدة مع اقتراب موعد تجديد ولاية بعثة المينورسو، بل أصبحت قضية استراتيجية تتقاطع فيها رهانات السيادة الوطنية مع التحولات الجيوسياسية، وموازين القوى الدولية، وحسابات الأمن والاستقرار في المنطقة. وما شهدته جلسة مجلس الأمن يوم 30 أكتوبر 2026 يؤشر على دخول هذا الملف منعطفا جديدا، يفرض على المغرب قراءة هادئة وعميقة لمختلف أبعاده، واستيعاب ما تحمله المرحلة من فرص وتحديات.
فقد جاء عدم اعتماد مجلس الأمن لأي من مشروعي القرار المتنافسين، الأمريكي والروسي، وما ترتب عنه من عدم تجديد ولاية بعثة المينورسو، ليضع مسارا أمميا استمر لأكثر من ثلاثة عقود أمام واقع جديد. غير أن الأهم في هذه التطورات ليس فقط مصير البعثة الأممية، وإنما طبيعة المرحلة التي تلي هذا التحول، والخيارات التي ستكون مطروحة أمام مختلف الأطراف، ومدى قدرة المغرب على مواصلة تدبير قضيته الوطنية وفق رؤية استراتيجية تستحضر التحولات الدولية دون التفريط في ثوابته السيادية.
وفي هذا السياق، جاء بلاغ الديوان الملكي الصادر يوم 30 أكتوبر ليقدم الموقف المغربي من هذه التطورات، معتبرا عدم تجديد ولاية المينورسو تطورا مهما وخطوة في اتجاه إغلاق هذا الملف داخل الأمم المتحدة، ومؤكدا في الوقت نفسه استمرار المملكة في التمسك بوقف إطلاق النار، وصيانة أمنها الوطني وسلامة مواطنيها، ومواصلة الدينامية الدبلوماسية على المستويين الثنائي والإقليمي.
إن قراءة هذه اللحظة تقتضي التمييز بين انتهاء ولاية بعثة أممية وبين انتهاء النزاع في أبعاده السياسية والدبلوماسية والقانونية. فالمعركة لم تعد محصورة في تدبير جلسة داخل مجلس الأمن أو متابعة صياغة قرار أممي، بل أصبحت مرتبطة بقدرة المغرب على مواصلة تعزيز موقعه الدولي، وتوسيع دائرة الدعم لمقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، باعتباره الإطار الذي تطرحه المملكة للتوصل إلى حل سياسي نهائي.
ومن هنا، فإن المرحلة المقبلة ستتطلب تحركا دبلوماسيا متواصلا، يقوم على تثبيت المكتسبات، والتواصل مع القوى الدولية المؤثرة، وتعزيز الشراكات الإقليمية، والترافع المؤسساتي والقانوني داخل مختلف الهيئات الدولية. كما أن المغرب مطالب بالتعامل بحكمة مع كل الاحتمالات، لأن الدفاع عن القضايا الوطنية الكبرى لا يقاس فقط بما يتحقق في لحظة سياسية معينة، وإنما أيضا بالقدرة على تحويل المكاسب الدبلوماسية إلى واقع مستدام.
وفي خضم هذه التحولات، لا يمكن إغفال الدور المحوري الذي تضطلع به القوات المسلحة الملكية في حماية حدود المملكة وصيانة أمنها واستقرارها. فهذه المؤسسة الوطنية العريقة، بما راكمته من خبرة وانضباط وتكوين عسكري متطور، تظل إحدى ركائز الأمن الوطني، وتقوم بمهامها في ظروف دقيقة، تتطلب اليقظة والاستعداد والتفاني في أداء الواجب. وإن التنويه برجال ونساء القوات المسلحة الملكية هو اعتراف بما يقدمونه من تضحيات في سبيل حماية الوطن، وصون أمن المواطنين، والحفاظ على استقرار المملكة.
وبالموازاة مع ذلك، فإن الجبهة الداخلية تظل عنصرا أساسيا في قوة المغرب. فالقضايا الوطنية الكبرى لا يمكن أن تكون مسؤولية المؤسسات الرسمية وحدها، بل تحتاج كذلك إلى وعي مجتمعي راسخ، وإعلام مسؤول، ونخب سياسية وفكرية قادرة على تقديم خطاب وطني متزن، بعيد عن المزايدات والحسابات الضيقة. كما إن وحدة الصف لا تعني إلغاء الاختلاف في الرأي، وإنما تعني الاتفاق على الثوابت الوطنية، وجعل المصلحة العليا للبلاد فوق كل اعتبار.
ولعل ما تحتاجه المرحلة الراهنة هو تعبئة وطنية واعية، تترجم ارتباط المغاربة بوطنهم إلى عمل ومبادرات ومواقف مسؤولة، وتستحضر الدور الدستوري والمؤسساتي للملك محمد السادس في قيادة التوجهات الاستراتيجية للمملكة، ولا سيما في تدبير ملف الوحدة الترابية. فالالتفاف حول الثوابت الوطنية، واحترام المؤسسات، واستحضار المسؤولية الجماعية، عناصر ضرورية لتعزيز مناعة البلاد في مواجهة التحديات.
أما الإعلام المغربي، فإنه يوجد اليوم أمام امتحان حقيقي يتجاوز مجرد نقل الأخبار والتعليق على القرارات الأممية. فالمطلوب صحافة تمتلك أدوات التحليل والتوثيق، وتتابع مواقف الدول، وتشرح للرأي العام خلفيات التحولات الدولية، وتواجه التضليل بالمعلومة الدقيقة، دون أن تتحول إلى منبر للمزايدات أو إلى مساحة لنشر المعطيات غير الموثوقة. فالدفاع عن القضايا الوطنية مسؤولية مهنية وأخلاقية، لا تتعارض مع احترام قواعد الصحافة وحق الجمهور في المعرفة.
وفي المقابل، لا ينبغي أن تحجب التطورات الدبلوماسية أهمية الجانب التنموي في الأقاليم الجنوبية، لأن ترسيخ الوحدة الوطنية يمر أيضا عبر تحسين ظروف عيش المواطنين، وتوسيع فرص الشغل والاستثمار، وتطوير البنيات التحتية والخدمات الاجتماعية، وتعزيز العدالة المجالية. فالمواطن في الصحراء المغربية ليس مجرد موضوع في نقاش دولي، بل هو محور أي تصور تنموي يروم جعل الاستقرار والازدهار واقعا ملموسا.
إن المغرب، وهو يدخل هذه المرحلة الجديدة، لا يحتاج إلى خطاب الانفعال بقدر ما يحتاج إلى الثقة في مؤسساته، واليقظة في تدبير مصالحه، والاستمرار في العمل الدبلوماسي والتنموي والإعلامي. كما أن الحفاظ على وقف إطلاق النار وتجنب أي تصعيد يهدد أمن المنطقة يظلان من الاعتبارات الأساسية التي ينبغي استحضارها في كل خطوة مقبلة.
إن التاريخ يعلمنا أن القضايا الوطنية الكبرى لا تحسمها لحظة واحدة، ولا تختزلها جلسة أممية، وإنما تصنع مساراتها بالتراكم والصبر والعمل المؤسساتي وتماسك الجبهة الداخلية. ومن هذا المنطلق، فإن المرحلة الراهنة تستدعي من جميع المغاربة، كل من موقعه ومسؤوليته، استحضار حجم الرهان، والارتقاء بالنقاش الوطني إلى مستوى التحديات، وتغليب روح المسؤولية على الحسابات الظرفية.
إن الصحراء المغربية ليست مجرد عنوان في نشرات الأخبار، بل قضية وطنية تتطلب وعيا دائما، وترافعا متواصلا، وتنمية مستدامة، وإعلاما في مستوى اللحظة. والمغرب الذي راكم مكتسبات دبلوماسية ومؤسساتية على امتداد سنوات، مطالب اليوم بمواصلة العمل بثبات وحكمة، حتى تظل الوحدة الترابية في صلب الأولويات الوطنية، ويظل أمن المملكة واستقرارها فوق كل اعتبار.



