
السفير 24
تثير الاضطرابات الاجتماعية والأمنية التي تشهدها فرنسا نقاشاً متجدداً حول أداء وسائل الإعلام في معالجة الأزمات الداخلية، ومدى التزامها بالمعايير المهنية نفسها عند تناول القضايا المرتبطة بدول أخرى، وفي مقدمتها المغرب. وفي خضم هذه التطورات، تتصاعد انتقادات مغربية لما يُنظر إليه باعتباره تفاوتاً في زوايا التغطية الإعلامية بين الشأن الفرنسي الداخلي والقضايا التي تهم المملكة.
ويذهب منتقدو بعض المنابر الفرنسية إلى أن تغطيتها للأحداث المرتبطة بالمغرب تتسم، في حالات معينة، بالتضخيم والتركيز على الجوانب الخلافية، مع إغفال سياقات سياسية ومؤسساتية أوسع. ويعيد هذا النقاش طرح أسئلة بشأن استقلالية العمل الصحفي، وحدود تأثير الحسابات السياسية والدبلوماسية في صياغة الروايات الإعلامية.
في المقابل، تضع الاحتجاجات والتوترات الداخلية في فرنسا وسائل الإعلام أمام اختبار مهني يتعلق بكيفية الموازنة بين نقل مطالب المحتجين، وتغطية أعمال العنف والتخريب، ومناقشة مسؤولية السلطات عن تدبير الأزمات. فالتعامل مع هذه الأحداث يقتضي عرض الوقائع والتحقق من المعطيات، والتمييز بين الاحتجاج السلمي والممارسات العنيفة، دون تبرير التجاوزات أو إغفال السياقات الاجتماعية والاقتصادية التي تغذي التوتر.
أزمة الثقة بين الشرطة والحكومة تزيد المشهد الفرنسي تعقيداً
ومن بين المؤشرات التي تعكس حجم التوتر الداخلي، تحرك نقابة الشرطة الفرنسية «أليانس» (Alliance Police Nationale) قضائياً ضد الدولة، على خلفية ما تعتبره إخفاقات في توفير الحماية اللازمة لعناصر الأمن، وما تصفه بتضارب التعليمات وغموض التوجيهات خلال تدبير المظاهرات.
ويعكس هذا التصعيد، وفق ما تطرحه النقابة، وجود خلاف بشأن توزيع المسؤوليات بين القيادات السياسية والأمنية والعناصر التي تتولى التدخل الميداني. ففي الوقت الذي تواجه فيه الشرطة مخاطر مرتبطة بالمواجهات وأعمال التخريب، تظل كيفية إصدار الأوامر وتحديد شروط استخدام القوة من القضايا التي تستدعي نقاشاً مؤسساتياً واضحاً.
وفي المقابل، أثارت إصابات خطيرة تعرض لها بعض المتظاهرين، من بينهم شاب تعرض لبتر إحدى يديه، جدلاً حول مدى تناسب استخدام وسائل تفريق الحشود مع طبيعة الاحتجاجات. وأعادت هذه الوقائع التأكيد على أهمية التحقيق في ملابسات الإصابات، وضمان الشفافية والمساءلة بشأن أي تجاوزات محتملة.
وبذلك، تجد السلطات الفرنسية نفسها أمام تحد مزدوج يتمثل في حماية المواطنين وعناصر الأمن، وضمان ممارسة الحق في الاحتجاج، مع إخضاع التدخلات الأمنية للضوابط القانونية. وهي مسؤوليات تقتضي معالجة أسباب التوتر، وعدم الاكتفاء بالمقاربات الأمنية أو الخطابات السياسية المرتبطة باستعادة النظام العام.
التغطية الإعلامية بين المهنية والحسابات السياسية
وفي خضم هذه الأوضاع، يبرز تساؤل بشأن الطريقة التي تتناول بها بعض وسائل الإعلام الفرنسية القضايا المغربية، ومدى حرصها على اعتماد المعايير نفسها في تحليل الأحداث وتقديم السياقات المختلفة.
ويرى منتقدو هذه التغطيات أن بعض المعالجات الإعلامية تميل إلى قراءة القرارات السيادية المغربية من زاوية الصراع السياسي، أو تقديم مواقف الرباط الحازمة باعتبارها أدوات ضغط، بدلاً من تحليل خلفياتها ومبرراتها المعلنة. كما يعتبرون أن التركيز الانتقائي على بعض الملفات قد يؤدي إلى تكوين صورة غير مكتملة عن التحولات التي يشهدها المغرب.
غير أن تقييم هذه الانتقادات يظل مرتبطاً بفحص المواد الإعلامية المعنية، ومقارنة ما تتضمنه من معطيات ومصادر وسياقات، بعيداً عن التعميم على مجمل الإعلام الفرنسي أو افتراض وجود توجه موحد لدى جميع منابره.
فالمهنية الصحفية تقتضي إخضاع الروايات الرسمية وغير الرسمية للتمحيص، وإتاحة المجال لوجهات النظر المختلفة، والتفريق بين الوقائع المثبتة والتحليلات والتقديرات السياسية. كما أن الأزمات الداخلية التي تواجهها دولة ما لا تعفي وسائل إعلامها من واجب تناول قضايا الدول الأخرى بالموضوعية نفسها.
المغرب ومبدأ الدفاع عن المصالح الوطنية
في المقابل، يواصل المغرب التأكيد على ثوابته الوطنية ومصالحه الاستراتيجية، في إطار رؤية تقوم على حماية الوحدة الترابية، وتعزيز مكانة المؤسسات، وتطوير الشراكات الدولية وفق المصالح المتبادلة.
ويعتبر المدافعون عن هذا التوجه أن وضوح المواقف المغربية في الملفات السيادية يعكس حرص المملكة على تدبير علاقاتها الخارجية انطلاقاً من اختياراتها الوطنية، دون أن يعني ذلك رفض النقد أو الاستغناء عن النقاش الإعلامي المسؤول.
كما أن تطور العلاقات الدولية يفرض على وسائل الإعلام، بمختلف توجهاتها، تجاوز الصور النمطية والقراءات الجاهزة، والاعتماد على المعطيات الموثوقة لفهم مواقف الدول وتحولاتها. فالعلاقات المغربية الفرنسية، بما تحمله من امتدادات تاريخية ومصالح اقتصادية وسياسية، تحتاج إلى تغطية تستوعب تعقيداتها وتبتعد عن الأحكام المسبقة.
وفي المحصلة، فإن التوترات التي تشهدها فرنسا والجدل المثار حول تغطيتها الإعلامية يفتحان المجال لمناقشة أوسع بشأن مسؤولية الصحافة في أوقات الأزمات، وحدود تأثير السياسة في العمل الإعلامي. ويبقى الرهان الأساسي هو ترسيخ إعلام قائم على التحقق والتوازن واحترام حق الجمهور في الوصول إلى معلومات دقيقة، سواء تعلق الأمر بالأحداث الداخلية الفرنسية أو بالقضايا التي تهم المغرب ومصالحه الوطنية.



