
السفير 24 – كازا
لم تعد الاستقالة الجماعية التي هزت حزب الاستقلال بمقاطعة سيدي بليوط بعمالة أنفا مجرد خلاف تنظيمي عابر يمكن تجاوزه ببيان أو لقاء تواصلي، بل تحولت إلى امتحان سياسي وتنظيمي حقيقي يضع مستقبل حضور الحزب في واحدة من أكثر الدوائر الانتخابية حساسية بالدار البيضاء أمام أسئلة صعبة، خصوصا بعد توقيع 18 عضوا على استقالة جماعية عشية انطلاق الحملة الانتخابية للتشريعيات المقررة يوم 23 شتنبر الجاري.
والأكثر دلالة في هذه التطورات أن الاستقالة لم تأت من أسماء هامشية داخل التنظيم، بل شملت كاتب وأعضاء مكتب فرع سيدي بليوط، إلى جانب مناضلين وهيئات موازية، في خطوة تعكس، بحسب مضمون الوثيقة، حجم الاحتقان الذي تراكم داخل التنظيم خلال الفترة الأخيرة.
فأصحاب الاستقالة تحدثوا عن ما وصفوه بـ”اختلالات تنظيمية وسياسية”، كما وجهوا انتقادات مباشرة إلى طريقة تدبير المرحلة الانتخابية، متحدثين عن الإقصاء والتهميش وغياب التواصل الكافي مع قواعد الحزب وفروعه وهيئاته الموازية. وهي معطيات تظل، بطبيعة الحال، رواية أصحاب الاستقالة، في انتظار رد واضح من الجهات المعنية.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة اليوم لا يتعلق فقط بما حدث داخل فرع سيدي بليوط، وإنما يتجاوز ذلك إلى مسؤولية القيادة الحزبية في تدبير المرحلة، وفي مقدمتها حسان بركاني، الذي يوجد في قلب هذه المعركة الانتخابية باعتباره وكيل لائحة حزب الاستقلال بدائرة أنفا، فضلا عن موقعه التنظيمي والسياسي داخل الحزب.
فطريقة تدبير أي مسؤول حزبي للمرحلة الانتخابية لا تقاس فقط بعدد اللقاءات أو بالصور والأنشطة التواصلية، وإنما بقدرته على جمع المناضلين، واحتواء الاختلافات، وفتح قنوات الحوار، وتحويل القواعد التنظيمية إلى قوة انتخابية موحدة.
ومن هذه الزاوية تحديدا، فإن ما وقع بسيدي بليوط يطرح علامات استفهام حقيقية حول الحصيلة التنظيمية لحسان بركاني، خصوصا أن الاستقالات جاءت في توقيت يفترض فيه أن تكون مختلف هياكل الحزب في حالة تعبئة قصوى استعدادا للاستحقاق الانتخابي.
والأكثر إحراجا أن الأزمة انفجرت في الوقت الذي كان فيه الحزب يسعى إلى تقديم مرشحيه بدائرة أنفا وإظهار صورة موحدة أمام الرأي العام، في حين خرج إلى العلن خلاف تنظيمي يحمل توقيعات 18 عضوا.
ولا يمكن فصل هذه التطورات عن النقاش الأوسع حول تراجع الحضور التنظيمي للحزب في عدد من مناطق أنفا وسيدي بليوط. فقد استحضر المستقيلون في وثيقتهم الرصيد التاريخي لحزب الاستقلال بالمنطقة، معتبرين أن التنظيم كان يتوفر سابقا على حضور انتخابي وهيكلي أقوى، قبل أن يعرف، حسب روايتهم، تراجعا خلال السنوات الأخيرة.
وهنا بالضبط تكمن صعوبة مهمة بركاني: فالانتخابات لا تخاض بالأسماء وحدها، ولا بالمواقع السياسية، وإنما بشبكة من المناضلين والمنتخبين والمتعاطفين والفاعلين المحليين القادرين على تحويل الترشيح إلى حملة انتخابية حقيقية.
كما أن توقيت هذه الاستقالات يزيد من ثقل الأزمة، لكون المعركة الانتخابية دخلت مرحلتها الحاسمة، وأي شرخ داخل التنظيم قد يتحول إلى عامل مؤثر في القدرة على التعبئة والمنافسة، خصوصا داخل دائرة أنفا التي تعرف سباقا انتخابيا قويا، وتضم أسماء وازنة، على رأسها محمد شباك، وكيل لائحة حزب التجمع الوطني للأحرار، والذي يدخل هذا الاستحقاق مستندا إلى حصيلة عمل قوية يراهن عليها في مواجهة منافسيه.
ولذلك فإن السؤال لم يعد: هل يستطيع حزب الاستقلال تجاوز استقالات 18 عضوا؟
بل أصبح: هل يستطيع حسان بركاني، بعد هذه الهزة التنظيمية، إعادة جمع البيت الاستقلالي بأنفا وإقناع قواعد الحزب بأن الخلافات أصبحت وراء ظهره؟
فالمرحلة المقبلة لن تكون سهلة، وستكشف صناديق الاقتراع إلى أي حد استطاعت القيادة المحلية تجاوز الأزمة، وإلى أي حد أثرت طريقة تدبير المرحلة السابقة على الحضور الانتخابي للحزب.
وفي المقابل، فإن الكرة اليوم ليست فقط في ملعب المستقيلين، وإنما أيضا في ملعب القيادة الوطنية لحزب الاستقلال، التي أصبحت مطالبة بقراءة ما حدث بعيدا عن منطق التهدئة الظرفية، والبحث عن مكامن الخلل الحقيقي داخل التنظيم، خصوصا إذا كانت الغاية هي الحفاظ على حضور الحزب في أنفا واستعادة الثقة بين القيادة والقواعد.
كما أن استقالة 18 عضوا في هذا التوقيت ليست رقما عابرا، ولا تفصيلا يمكن تجاهله في حسابات الحملة الانتخابية؛ إنها رسالة سياسية وتنظيمية قوية، سواء اتفقت القيادة مع مضمونها أم اختلفت معه.
هذا، وستبقى صناديق الاقتراع هي الحكم الفاصل، وستكشف نتائج 23 شتنبر ما إذا كان حسان بركاني قادرا على تجاوز تداعيات هذه العاصفة، أم أن طريقة تدبيره للشأن التنظيمي خلال المرحلة الماضية ستترك أثرا واضحا على رصيده الانتخابي والسياسي.
ويبقى حق الرد مكفولا لحسان بركاني، ولقيادة حزب الاستقلال، ولكل طرف ورد اسمه أو نسبت إليه مواقف أو مسؤوليات في سياق هذه الاستقالات.



