السفير 24
لم يكن تشييع أحد الموتى إلى مثواه الأخير، أمس الثلاثاء ، بمقبرة الرضوان الواقعة على طريق حد السوالم بإقليم برشيد، مناسبة عادية بالنسبة إلى أفراد أسرته وعدد من أصدقائه الذين رافقوا الجنازة، بعدما وجدوا أنفسهم أمام مشاهد وروائح قالوا إنها أثارت استياءهم واستنكارهم، وطرحت أكثر من علامة استفهام حول طريقة تدبير المقبرة وحفر القبور، والجهة المسؤولة عن ضمان احترام حرمة الموتى وصيانة هذا الفضاء الذي يفترض أن يكون عنوانا للسكينة والوقار.
وبحسب إفادات عدد من الحاضرين في اتصالهم ب “السفير 24” ، فقد انتبه المشيعون، خصوصا بالقرب من مدخل المقبرة من الجهة اليسرى، إلى انبعاث روائح قوية اعتبروا أنها غير طبيعية، وهو ما زاد من حدة الاستغراب، بعدما ربط بعض المشتكين تلك الروائح بوجود جثامين مدفونة داخل المقبرة.
غير أن المفاجأة الأكبر، وفق رواية أفراد من أسرة المتوفى وممن حضروا عملية الدفن، كانت عند الشروع في إعداد القبر، حيث أكدوا أن عمق الحفرة لم يتجاوز، حسب تقديرهم، حوالي 40 سنتيمترا، في حين كانوا يتوقعون أن يكون القبر بالعمق الكافي الذي يضمن دفن الجثمان بشكل لائق ويحفظ حرمته، قبل أن يتم ردمه بالتراب.
ويقول المشتكون إن المشهد كان صادما بالنسبة إليهم، بعدما ظهر جزء من جسد المتوفى أثناء عملية الدفن، مؤكدين أن كتفه ظل باديا فوق مستوى الحفرة، ما اضطر الحاضرين إلى مواصلة إلقاء التراب عليه إلى حين تغطيته بالكامل.
وإذا صحت هذه المعطيات، فإن الأمر لا يتعلق فقط بمسألة تقنية مرتبطة بطريقة حفر القبور، بل يفتح نقاشا أوسع حول حرمة الموتى وشروط الدفن، والمسؤولية عن مراقبة الأشغال داخل المقابر، ومدى احترام المعايير المعمول بها في تجهيز القبور.
فالمقبرة ليست مجرد قطعة أرض يتم فيها حفر حفر ودفن الأموات، وإنما فضاء له حرمة خاصة، ويستوجب تدبيره عناية مضاعفة، سواء تعلق الأمر بنظافته أو صيانته أو طرق حفر القبور أو احترام الجثامين أثناء عملية الدفن. ومن غير المقبول، من منظور أخلاقي وإنساني، أن تتحول لحظة وداع الميت إلى مناسبة يضطر فيها أفراد أسرته إلى طرح أسئلة مؤلمة حول مدى احترام حرمة فقيدهم.
كما أن الروائح المنبعثة من بعض أجزاء المقبرة، بحسب شهادات المواطنين، تستوجب بدورها فتح تحقيق ميداني جدي، ليس بهدف توجيه الاتهام إلى أي جهة قبل التحقق، وإنما للوقوف على مصدرها وأسبابها، ومعرفة ما إذا كانت مرتبطة بطريقة الدفن، أو بعمق القبور، أو بظروف التربة، أو بغياب شروط معينة في تدبير المقبرة، أو بأي عوامل أخرى يمكن أن تفسر هذه الظاهرة.
وتتجه أصابع الاستفهام كذلك نحو الجهة أو الشركة المكلفة بتدبير المقبرة، إذ يطالب المواطنون بالكشف عن طبيعة المهام المنوطة بها، وما إذا كانت تتولى فعليا عمليات حفر القبور وتجهيزها، ومن يراقب جودة تلك الأشغال، ومن يتحقق من احترام الشروط الواجب توفرها قبل تسليم القبر لأسرة المتوفى.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: من يراقب طريقة حفر القبور بمقبرة الرضوان؟ ومن يتحمل المسؤولية عندما يتم إعداد قبر، وفق ما يؤكده المشتكون، بعمق لا يتجاوز 40 سنتيمترا؟ ومن يراقب مدى احترام حرمة الجثامين أثناء عمليات الدفن؟ ومن يتحمل مسؤولية الروائح التي يقول مواطنون إنها أصبحت تثير استياءهم؟
إنها أسئلة مشروعة لا ينبغي التعامل معها بمنطق التجاهل، لأن الأمر يتعلق بفضاء يرتبط بكرامة الإنسان حتى بعد وفاته، وبمشاعر أسر تفقد أحباءها وتنتظر أن يجدوا في مثواهم الأخير السكينة والاحترام.
ومن هذا المنطلق، فإن فتح بحث من طرف الجهات المختصة، والوقوف ميدانيا على وضعية المقبرة، ومعاينة القبور وطريقة حفرها، والتحقق من مصدر الروائح، والاطلاع على طبيعة العقد أو دفتر التحملات الذي يؤطر الجهة المكلفة بالتدبير، كلها خطوات تبدو ضرورية لتحديد المسؤوليات، إن ثبت وجود اختلالات، ووضع حد لأي ممارسات قد تمس بحرمة المقابر وكرامة الموتى.
وفي انتظار توضيحات الجهات المسؤولة والشركة المكلفة بتدبير المقبرة، يبقى السؤال الأبرز الذي يطرحه المواطنون بإلحاح: هل أصبحت حرمة الموتى تحتاج هي الأخرى إلى من يدافع عنها؟



