
السفير 24
مع اقتراب موعد الاستحقاقات التشريعية المقبلة، بدأت دائرة أنفا، باعتبارها واحدة من أهم الدوائر الانتخابية بالمملكة، تعيش على وقع حراك سياسي متسارع، عنوانه الأبرز ظهور أسماء جديدة تسعى إلى دخول عالم السياسة والتمثيلية البرلمانية. وبين حق الجميع في الترشح الذي يكفله الدستور والقانون، وبين متطلبات العمل السياسي والتشريعي، يبرز نقاش مشروع حول طبيعة الكفاءات التي ينبغي أن تحظى بثقة الناخبين.
لقد أصبح المشهد الانتخابي في بعض الأحيان يثير الكثير من التساؤلات، حين نجد أشخاصا ينتقلون بشكل مفاجئ من ممارسة أنشطة مهنية أو تجارية إلى التطلع لشغل مقاعد برلمانية أو مسؤوليات تدبيرية كبرى. فقد نجد، على سبيل المثال لا الحصر، خضارا أو تاجرا أو ممارسا لأي مهنة حرة محترمة، يقرر خوض غمار الانتخابات دون أن يسبق ذلك مسار سياسي أو تجربة في تدبير الشأن العام أو انخراط فعلي في الدفاع عن قضايا المواطنين.
وهنا وجب التأكيد أن الحديث لا يحمل أي انتقاص من مهنة بيع الخضر والفواكه أو غيرها من المهن الشريفة التي تساهم في تحريك عجلة الاقتصاد الوطني وتستحق كل الاحترام والتقدير، لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو: عن أي برنامج انتخابي يتحدث هؤلاء؟ وما هي الرؤية التي يحملونها لمعالجة قضايا التشغيل والتنمية والنقل والصحة والتعليم؟ وكيف يمكن لمن لم يسبق له الانخراط في العمل السياسي أو تدبير الشأن العام أن يتحول بين ليلة وضحاها إلى مرشح يسعى لتمثيل آلاف المواطنين داخل المؤسسة التشريعية؟
فالسياسة ليست مجرد صورة على ملصق انتخابي أو منشور على مواقع التواصل الاجتماعي، وليست مناسبة للبحث عن الشهرة أو الوجاهة الاجتماعية، بل هي مسؤولية ثقيلة تتطلب الكفاءة والخبرة والقدرة على اتخاذ القرار والترافع عن مصالح المواطنين داخل المؤسسات المنتخبة.
كما أن بعض الأحزاب السياسية أصبحت، في سياق استعدادها للاستحقاقات المقبلة، تتوسع في منح التزكيات بشكل يثير العديد من التساؤلات حول المعايير المعتمدة في اختيار المرشحين. فبدل البحث عن الكفاءات القادرة على الإضافة وصناعة الفارق، يبدو أحيانا أن منطق استقطاب الأسماء وحسابات الأصوات الانتخابية أصبح يتقدم على منطق التأهيل والكفاءة والقدرة على تحمل المسؤولية.
وفي خضم هذا النقاش، تبرز تجربة رئيس مقاطعة أنفا والنائب البرلماني محمد شباك باعتبارها نموذجا يستحق التوقف عنده من زاوية الحصيلة والإنجاز. فالرجل استطاع، وفق ما يرصده عدد من المتتبعين للشأن المحلي، أن يساهم في الارتقاء بمقاطعة أنفا وجعلها واحدة من أكثر المقاطعات تنظيما وجاذبية على المستوى الوطني، بفضل رؤية تدبيرية واضحة وانسجام داخل مكونات المجلس وحرص متواصل على تتبع المشاريع والخدمات الموجهة للساكنة.
كما شهدت المقاطعة خلال السنوات الأخيرة مجموعة من الأوراش والمبادرات التي انعكست بشكل مباشر على الفضاءات العمومية والبنيات التحتية وجودة الخدمات، ما جعل أنفا تحظى بصورة إيجابية لدى العديد من المتابعين، وتتحول إلى تجربة محلية يشار إليها كلما تعلق الأمر بالحكامة المحلية وجودة التدبير.
غير أن الإشادة بالحصيلة لا تعني إطلاقا منح صكوك النجاح المسبقة لأي طرف سياسي، كما لا تعني إغلاق الباب أمام المنافسة الديمقراطية، لأن الفيصل في النهاية يبقى هو المواطن وصندوق الاقتراع.
فالمنافسة السياسية تظل حقا مشروعا للجميع، لكن الناخب من حقه أيضا أن يقارن بين من يملك رصيدا من الإنجازات الملموسة ومن يكتفي بالشعارات والصور والوعود الفضفاضة.
ومن هذا المنطلق، فإن “السفير 24” لا ينحاز لأي مرشح أو حزب سياسي، ولا يمارس دور الدعاية الانتخابية لهذا الطرف أو ذاك، بل يحرص على تقديم صورة موضوعية للرأي العام، قائمة على تقييم الحصيلة وقراءة الواقع ونقل الحقائق كما هي، بعيدا عن منطق الاصطفاف أو المجاملة.
فالانتخابات ليست مناسبة لاستعراض الصور ولا سباقا نحو الشهرة، بل هي لحظة ديمقراطية حاسمة لاختيار الكفاءات القادرة على خدمة المواطنين والدفاع عن مصالحهم. وبين من راكم التجربة والإنجاز، ومن يعتقد أن الترشح وحده يكفي لصناعة رجل سياسة، يبقى الحكم الأخير دائما للناخب الذي أصبح اليوم أكثر وعيا وقدرة على التمييز بين الخطاب والواقع، وبين الوعد والإنجاز.



