في الواجهةسياسة

المغرب ينضم إلى حوكمة TV5MONDE… خطوة تعكس انتقال السيادة الإعلامية إلى مستوى التأثير الدولي

المغرب ينضم إلى حوكمة TV5MONDE… خطوة تعكس انتقال السيادة الإعلامية إلى مستوى التأثير الدولي

le patrice

السفير 24

في لحظة تحمل أكثر من دلالة سياسية وثقافية وإعلامية، أصبح المغرب أول دولة إفريقية تنضم إلى حوكمة شبكة TV5MONDE، إحدى أبرز الشبكات السمعية البصرية الفرنكوفونية في العالم. ورغم الطابع المؤسساتي لهذا الحدث، إلا أنه يعكس في عمقه تحولاً نوعياً في موقع المغرب داخل المشهد الإعلامي الدولي، من مجرد فضاء للتلقي والتأثير المحدود إلى فاعل مشارك في صناعة القرار والتوجيه.

هذا الانخراط لا يمكن فصله عن مسار طويل من إعادة بناء الحضور الإعلامي الوطني، في إطار رؤية متكاملة تتقاطع فيها الأبعاد السياسية والثقافية والاقتصادية. وهو مسار لم يكن آنياً أو صدامياً، بل جاء تدريجياً وممنهجاً، هدفه تعزيز السيادة الإعلامية وإعادة ترتيب العلاقة مع مراكز التأثير الخارجي على أسس أكثر توازناً وندية.

لقد عرف المشهد الإعلامي المغربي في مراحل سابقة حضوراً أجنبياً ملحوظاً في بعض مكوناته، سواء عبر شراكات تقنية أو امتدادات مؤسساتية، في سياق تاريخي كانت فيه موازين القوة تميل لصالح الشريك الأوروبي. غير أن المغرب، منذ مطلع الألفية، شرع في إعادة صياغة منظومته الإعلامية الوطنية، عبر ما يمكن اعتباره مرحلة “مغربة الإعلام”، التي أعادت للدولة التحكم في القرارين التحريري والتقني، ضمن إصلاحات شاملة للقطاع السمعي البصري العمومي.

وفي هذا السياق، اضطلعت الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة بدور محوري في هذا التحول، من خلال الانتقال من إعلام تقليدي محدود التأثير إلى مؤسسة أكثر احترافية وقدرة على الإنتاج والتوسع والمنافسة، مع تعزيز قابلية الانفتاح على الشراكات الدولية وفق رؤية استراتيجية واضحة.

وقد شكّل تدبير هذا الورش، في سياق إصلاحي متدرج، نقطة ارتكاز أساسية في تطوير الإعلام العمومي، ليس فقط على مستوى البنية، بل أيضاً على مستوى الوظيفة، حيث انتقل من مجرد وسيلة بث إلى فاعل استراتيجي يواكب تحولات الدولة ومشاريعها الكبرى.

ومع تبلور هذا المسار الداخلي، لم يعد الرهان مقتصراً على حماية السيادة الإعلامية داخل الحدود، بل أصبح يمتد إلى تفعيلها خارجياً. ومن هنا، يكتسي انضمام المغرب إلى حوكمة TV5MONDE دلالة إضافية، إذ يعكس انتقالاً من موقع مستهلك للمحتوى الفرنكفوني إلى شريك في إنتاجه وصياغة توجهاته، أي من “امتلاك الوسيلة” إلى “التأثير في الوسيلة”.

ويتقاطع هذا التحول مع الدينامية التي تعرفها السياسة الخارجية المغربية، القائمة على إعادة تموقع العلاقات الدولية، خصوصاً مع الفضاء الأوروبي، على أساس الشراكة المتوازنة وتبادل المصالح بدل منطق التبعية التاريخية، في انسجام مع رؤية تقوم على الندية والتعاون.

كما يعزز هذا الانضمام الحضور المغربي المتنامي داخل الفضاء الإفريقي والدولي، حيث بات الإعلام أحد أدوات القوة الناعمة في دعم الدور الثقافي والدبلوماسي للمملكة، إلى جانب مشاريع التعاون في الإنتاج المشترك وتبادل المحتوى، بما يعكس انتقالاً من استهلاك السرديات الإعلامية إلى المساهمة في بنائها.

إن هذا التطور لا يُختزل في مجرد خطوة تنظيمية داخل مؤسسة إعلامية دولية، بل يمثل مؤشراً على نضج تجربة إعلامية وطنية استطاعت أن تعيد تعريف موقعها، من إعلام يسعى إلى تثبيت استقلاله، إلى إعلام يشارك في تشكيل المشهد الإعلامي العالمي.

وهكذا، يواصل المغرب ترسيخ حضوره في مسار بناء سيادة متعددة الأبعاد، تتجاوز المفهوم الدفاعي إلى نموذج أكثر فاعلية وتأثيراً إقليمياً ودولياً، ضمن رؤية تقوم على تعزيز الجبهة الداخلية، وتوسيع فضاءات التعاون، وتكريس منطق الشراكة والانفتاح في عالم متغير ومعقد.

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى