
السفير 24
يواجه المنظور الجديد للجامعة المغربية، المسنود بـ”المخطط الوطني لتسريع تحول منظومة التعليم العالي” (PACT ESRI)، امتحانا عسيرا على أرض الواقع الجامعي.
فبموجب دفاتر الضوابط البيداغوجية الوطنية (CNPN) الصادرة مؤخرا، والمنظمة للمواسم الجامعية الحالية، تم تقنين التعليم عن بُعد ليغطي نسبة تصل إلى 30 في المائة كحد أقصى من الغلاف الزمني للوحدات المعرفية النظرية، مع إلزامية الحضور بنسبة 100 في المائة في الامتحانات والتقييمات الختامية لضمان مصداقية الشواهد الوطنية.
وفي هذا الصدد، شددت المذكرات الوزارية الرسمية الموجهة لرؤساء الجامعات على ضرورة التقيد الصارم بـ”اعتماد طرق وأساليب بيداغوجية جديدة، بما في ذلك التعليم عن بعد والتكوين بالتناوب”، كخيار استراتيجي لضمان عرض تربوي منسجم ذي جودة ونجاعة، يرتكز على الاستعمال الأمثل للموارد المادية والبشرية المتاحة.
ولتأمل حجم التحدي، يكفي النظر إلى “الخريطة العددية” الضاغطة لجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء ، باعتبارها أضخم قطب جامعي في المملكة، حيث تضم أزيد من 130 ألف طالب وطالبة يتابعون دراستهم بمختلف التخصصات، وأكثر من 2300 أستاذ باحث يشرفون على التأطير الأكاديمي، إضافة إلى أزيد من 400 مسلك دراسي مفتوح يتوزع بين سلك الإجازة الجديدة والماستر والدكتوراه.
وأمام هذه الأرقام الضخمة، استثمرت الجامعة بثقلها لإحداث “الجامعة الافتراضية” كحرم جامعي ذكي يعتمد على منصات مدعومة بالذكاء الاصطناعي، بالموازاة مع تفعيل مقري “مركز الابتكار البيداغوجي” بملحقة المنفلوطي بالدار البيضاء وملحقة المحمدية. وتضم هذه المراكز استوديوهات تسجيل احترافية يؤطرها مهندسون وتقنيون لإنتاج مساقات تفاعلية عبر منصة “مودل جامعة الحسن الثاني” ومنصة “لغات” الخاصة باللغات، إلى جانب حسابات مؤسساتية عبر “مايكروسوفت تيمز” و”غوغل كلاس روم”.
وبالرغم من هذا الاستثمار اللوجستي المتقدم، كشف هذا الاستقصاء الميداني عن صدمة غير متوقعة على مستوى الأثر الميداني، يدعمها التشخيص الرقابي الصارم الصادر في تقرير Cour des comptes du Maroc، الذي رصد فجوة هيكلية في النظام المعلوماتي للتعليم العالي، منبهاً إلى عوائق تقنية واضحة شابت تنزيل المشروع الوطني الممول “الحرم الجامعي المتصل”.
فميدانيا، تعاني كليات الجامعة، خاصة كليات الاستقطاب المفتوح ذات الكثافة الطلابية المرتفعة كالحقوق والآداب، من ضعف حاد وانقطاعات متكررة في شبكة “الواي فاي” الداخلي، التي تنحصر غالبا في المحيط الإداري وتغيب عن المدرجات والساحات الكبرى. يضاف إلى ذلك معضلة عدم استقرار الخوادم، وصعوبات تفعيل شرائح الإنترنت المجانية الموزعة على الطلبة، مما تسبب في شلل تقني خلال فترات الذروة والتحميل المكثف للدروس.
هذه الاختلالات اللوجستية، مضافا إليها عوامل سوسيو-اقتصادية وبيداغوجية، أفرزت ثلاثة مظاهر أساسية للتعثر الميداني.
أولها معضلة الانخراط السلبي أو ما يعرف بـ”التحميل الجاف”، حيث تشير تقارير التتبع الرقمي إلى أن أقل من 25 في المائة من الطلبة يتفاعلون بانتظام مع الأنشطة والروائز الذكية على المنصات الرقمية، في مقابل تركز أزيد من 75 في المائة من النقرات في تنزيل ملفات “بي دي إف” ومقاطع الفيديو قبل أسابيع قليلة من الامتحانات، وهو ما يفرغ بيداغوجيا التعلم الذاتي المستمر من محتواها، ويؤدي إلى ارتفاع نسب الرسوب والتعثر عند الاصطدام بالامتحانات الحضورية الإلزامية.
أما المظهر الثاني، فيتعلق بفجوة تكافؤ الفرص داخل كليات الاستقطاب المفتوح، حيث تسير كليات الاستقطاب المحدود، مثل مدارس الهندسة والتجارة، بوتيرة رقمية أكثر استقراراً، بينما تصطدم الرقمنة بواقع اجتماعي صعب داخل الكليات المفتوحة التي تضم أزيد من 70 في المائة من الكتلة الطلابية للجامعة، إذ تعجز شريحة واسعة من الطلبة المنحدرين من أوساط هشة عن اقتناء حواسيب شخصية أو تحمل تكاليف اشتراكات الإنترنت لتغطية نسبة التعليم عن بعد المحددة في 30 في المائة.
وفي ما يخص قطب علوم الصحة، خاصة كليتي الطب والصيدلة وطب الأسنان، فإن الرقمنة تكتسي بعداً أكثر حساسية وتعقيدا. فرغم نجاح التجربة في الشق النظري، يواجه التعليم عن بعد جدار التكوين الميداني الصارم، إذ يمثل الجانب التطبيقي والمختبري في كلية طب الأسنان، على سبيل المثال، أزيد من 60 في المائة من الغلاف الزمني للتكوين، وهي مهارات حسية وحركية مرتبطة بملمس الأدوات والتعامل مع المحاكيات الروبوتية وعلاج المرضى، وهي جوانب لا يمكن لأي كبسولة فيديو أن تعوضها ميدانياً.
فضلا عن ذلك، فإن حوالي 45 في المائة من الموارد الرقمية الطبية تتطلب صيانة وتحديثا سنوياً مستمراً لمواكبة المستجدات العلاجية العالمية، ما يفرض تحديات مالية وتقنية إضافية على المؤسسات الجامعية.
وتثبت المعطيات الميدانية وتقارير المحاكم المالية بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء أن معركة التكنولوجيا قد كُسبت تقنيا داخل الاستوديوهات وعلى مستوى الخوادم، لكن تحدي “الأثر الميداني” لا يزال يبحث عن بوصلة التنزيل الحقيقي.
ويبدو أن إنقاذ هذا الورش الوطني من الجمود يقتضي الانتقال الفوري إلى إجراءات موازية ومستعجلة، أبرزها تفعيل توصيات المجلس الأعلى للحسابات المتعلقة بإعادة بناء النظام المعلوماتي على أسس متينة ومندمجة، عبر إصلاح شبكات “الواي فاي” وتأمين استقرارها، وإقرار عدالة رقمية اجتماعية تدعم الطلبة المعوزين لوجستيا، مع ربط الحق في اجتياز الامتحانات بنسب تفاعل دنيا وموثقة رقميا، حتى لا تتحول الرقمنة من آلية لتيسير المعرفة إلى سبب إضافي للهدر والتعثر الأكاديمي.



