في الواجهةكتاب السفير

الأسرة المغربية بين التحول والهشاشة: قراءة في أرقام البحث الوطني حول العائلة 2025

الأسرة المغربية بين التحول والهشاشة: قراءة في أرقام البحث الوطني حول العائلة 2025

le patrice

السفير 24 – ذ. عبدالفتاح العقيلي

قراءة تحليلية في نتائج المندوبية السامية للتخطيط

حين نُشرت نتائج البحث الوطني حول العائلة 2025 يوم 8 أبريل من هذا العام، لم تكن الأرقام مفاجئة بقدر ما كانت تأكيدًا صامتًا لما يعرفه المغاربة في حياتهم اليومية دون أن يسمّوه: أن الأسرة المغربية لم تعد هي نفسها. لا في بنيتها، ولا في حجمها، ولا في وظائفها، ولا حتى في أحلامها.

هذا البحث، الذي أُنجز على عيّنة شملت 14 ألف أسرة عبر الوسطين الحضري والقروي، يأتي بعد ثلاثين سنة من النسخة الأولى سنة 1995، وما بين التاريخين يقع تحوّل بنيوي يستحق أكثر من مجرد تعليق عابر.

نهاية البيت الكبير

النموذج الأسري الممتد — ذلك البيت الذي يضم الأجداد والأعمام والأحفاد تحت سقف واحد — لم يعد سوى ذكرى لدى أغلب المغاربة. فنسبة الأسر النووية بلغت 73% وطنيًا، مقابل 60.8% قبل ثلاثين عامًا. والأسرة الممتدة تراجعت من 35.2% إلى 19.8%. أما التعايش بين ثلاثة أجيال فانخفض من 29% إلى 16.8%. اللافت أن هذا التحول لم يعد حكرًا على المدن: في البادية، قفزت نسبة الأسر النووية من 58.1% إلى 72.7%، في تقارب شبه تام مع الوسط الحضري.

وقد انتقل متوسط حجم الأسرة من 4.6 إلى 3.9 أفراد في عشر سنوات. وهذا يعني أن عدد الأسر يتزايد بوتيرة أسرع من نمو السكان، مما يضاعف الطلب على السكن، ويُفاقم أزمة ستبقى عصية على الحل ما لم تُعالج جذريًا.

مفارقة السكن: 2.4 مليون مسكن فارغ وأزمة سكن خانقة

هنا يكمن ما أغفلته أغلب القراءات المتسرعة لهذا التقرير. فحين نتحدث عن عزوف الشباب عن الزواج — وهم 51.7% من العزّاب الذين لا يرغبون فيه، و59.8% من الرجال — ينبغي ألا ننسى أن السبب الأول مادي بالدرجة الأولى: غلاء المعيشة وتعذّر الحصول على سكن. لكن المفارقة الصارخة أن المغرب يتوفر، وفق أرقام المندوبية السامية للتخطيط ذاتها، على نحو 2.4 مليون مسكن فارغ، يمثل 16% من الرصيد العقاري الوطني، 70% منها في المدن. أصحاب هذه المساكن يفضلون تركها شاغرة بدل تأجيرها، خوفًا من عدم الأداء وبطء القضاء في فض النزاعات.

يُضاف إلى ذلك عامل جديد: تدفق المتقاعدين الأوروبيين على مدن مثل مراكش وطنجة والرباط، لا سيما بعد جائحة كوفيد-19، مما أسهم في ارتفاع أسعار العقار بشكل يُقصي الأسر المغربية الشابة. المفارقة المريرة أن بعض هؤلاء الأوروبيين يأتون بحثًا عن الدفء الاجتماعي والتضامن الأسري الذي فقدوه في بلدانهم — أي ذلك النسيج نفسه الذي يتآكل اليوم في المغرب.

الطلاق: حين تصطدم الحرية بالواقع

ارتفع معدل الطلاق إلى 3.6‰، ويتركز الخطر في السنتين الأوليين من الزواج بخمس مرات مقارنة بالمعدل العام. السبب الأول هو الخلافات المنزلية بنسبة 30.9%، تليها

المشاكل المالية والأصهار. والأبرز أن النساء يبادرن بطلب الطلاق في 58% من الحالات — وهو ثمرة مباشرة لمدونة الأسرة التي منحتهن هذا الحق منذ 2004.

لكن ممارسة هذا الحق تصطدم بواقع اقتصادي قاسٍ: 73.9% من المطلقات يعدن إلى بيت الوالدين، و4% فقط يعشن باستقلالية، مقابل 20% من الرجال. وثلثا المطلقات يعتبرن النفقة غير كافية، وتبلغ هذه النسبة 94.4% لدى الأمهات العازبات.

هذا يعني أن الحرية القانونية التي منحتها المدونة لم تُرافَق ببنية اقتصادية واجتماعية تجعلها فعّالة. والنتيجة: طلاق يحرر قانونيًا لكنه يُفقر اجتماعيًا.

العمل غير المهيكل: الوجه الخفي لهشاشة المرأة

ما لا يقوله التقرير صراحة، لكن أرقامه تُلمّح إليه، هو أن جزءًا كبيرًا من النساء المغربيات يعملن في القطاع غير المهيكل — بلا عقود ولا تغطية صحية ولا تقاعد. فحين تكون الأم المطلقة التي ترأس أسرة أحادية الوالد — وهي 90.7% من هذه الأسر — تعمل كخيّاطة أو بائعة أو عاملة منزلية بلا أي حماية اجتماعية، فإن الطلاق لا يعني مجرد انفصال عاطفي، بل سقوطًا حرًا نحو الهشاشة. ورغم إطلاق ورش تعميم الحماية الاجتماعية، فإن نسبة كبيرة من هؤلاء النساء تظل خارج أي مظلة فعلية.

1.97 طفل لكل امرأة: ما بعد عتبة التعويض

ربما هذا هو الرقم الأكثر دلالة استراتيجية: مؤشر الخصوبة انخفض إلى 1.97 طفل لكل امرأة، تحت عتبة 2.1 اللازمة لتعويض الأجيال. في المدن ينخفض إلى 1.7، ولدى النساء النشيطات اقتصاديًا إلى 0.85، ولدى الأكثر تعليمًا إلى حوالي 1. وثلثا النساء المتزوجات لا يرغبن في طفل إضافي، لا لأنهن لا يحببن الأمومة، بل لأنهن لا يملكن الإمكانيات.

هذا يضع المغرب في مسار ديمغرافي مشابه لما عرفته أوروبا الجنوبية وشرق آسيا. لكن الفارق أن تلك البلدان دخلت هذا المنعطف وهي تملك أنظمة تقاعد وتغطية صحية ودور رعاية وبنيات تحتية اجتماعية ناضجة. المغرب يواجه التحدي ذاته ببنية اجتماعية لا تزال هشة، وبنظام تقاعدي يعاني أصلاً من عجز بنيوي.

الشيخوخة والوحدة: ما وراء الأرقام

ارتفعت نسبة من تجاوزوا الستين من 9.4% إلى 13.8% في عقد واحد، بوتيرة تفوق النمو الديمغرافي بـ 5.4 مرات. و”الأعشاش الفارغة” — الأزواج المسنين الذين غادر أبناؤهم — تضاعفت ثلاث مرات في ثلاثين عامًا، من 3.4% إلى 9.4%. ثلث المسنين لا يملكون أي مصدر دخل، ونصف النساء المسنّات في هذه الوضعية. و64.3% ممن لا يزالون يعملون بعد الستين يفعلون ذلك لا اختيارًا بل اضطرارًا.

لكن ما لا تقيسه الإحصائيات هو الثمن النفسي لهذا التحول. فالمسنّ المغربي الذي نشأ في بيت يعجّ بالحياة والضجيج والضيوف، يجد نفسه اليوم وحيدًا أمام شاشة تلفزيون، في مسكن صامت، بلا زيارات ولا سند يومي. صحيح أن 59.3% منهم لا يزالون يعيشون مع أحد أبنائهم، لكن هذا الرقم ينحدر بسرعة. و47.8% منهم باتوا يرون ضرورة إنشاء دور إيواء — وهو اعتراف ضمني بأن الأسرة وحدها لم تعد قادرة على حمل هذا العبء.

التضامن الرقمي: بديل أم وهم؟

يُشير التقرير إلى أن التواصل الأسبوعي مع الأقارب أصبح هو القاعدة، وأن مكالمات الفيديو اليومية تبلغ 19.6% لدى أسر المهجر. لكن ينبغي الحذر من المبالغة في تأثير هذا “التضامن الرقمي”. فمجموعة واتساب العائلية لا تُطعم مسنًا وحيدًا، ولا تُرافق مطلّقة إلى المحكمة، ولا تسدّ فاتورة الدواء. التواصل الرقمي يخفف الشعور بالبعد، لكنه لا يحل محل الحضور الفعلي والسند المادي. والفجوة الرقمية تزيد الأمر تعقيدًا: كثير من المسنين في البوادي لا يملكون هاتفًا ذكيًا أصلاً.

***

ما يكشفه هذا البحث ليس انهيارًا ولا “تغريبًا”، بل تحوّل بنيوي عميق عرفته كل المجتمعات التي بلغت مرحلة معينة من التحضر والتعليم والاندماج الاقتصادي. لكن الخصوصية المغربية تكمن في أن هذا التحول يحدث بسرعة تفوق قدرة السياسات العامة على الاستجابة. المغاربة تغيّروا بالفعل — في خياراتهم الزوجية والإنجابية والسكنية — بينما المنظومة القانونية والاجتماعية والاقتصادية لم تواكب هذا التغيير بعد. وعلى بُعد أشهر من الانتخابات التشريعية، يبقى السؤال معلقًا: مَن مِن الأحزاب المتنافسة يملك تصورًا حقيقيًا لسياسة أسرية تتجاوز الخطاب الأخلاقي إلى المعالجة الهيكلية؟

أستاذ بجامعة الحسن الثاني، الدار البيضاء*

إعلان gardenspacenouaceur

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى