في الواجهة

مسجد مداغ: حين تتكلم الوثائق.. ردّ على بيان “السفير 24” — قراءة في التناقضات

مسجد مداغ: حين تتكلم الوثائق.. ردّ على بيان "السفير 24" — قراءة في التناقضات

le patrice

السفير 24 

سبق لجريدة “السفير 24” أن نشرت مقالا صحفيا عنونته بـ”بيان توضيحي بشأن الجدل المثار حول منع الصلاة بمسجد الزاوية بمداغ”، تناول حيثيات الموضوع، كما توصلت “السفير 24” برد من السيد عبد الفتاح العقلي، أستاذ جامعي ومريد بالطريقة القادرية البودشيشية تناول ما يلي:

نُشر مؤخرًا بيان يزعم أن مسجد مداغ ليس مسجدًا، وأن ما جرى فيه لا يعدو كونه إجراءً تقنيًا يتعلق بالسلامة. وقد صيغ البيان بعناية ظاهرة، غير أن الوقائع المسجلة في المحاضر الرسمية والوثائق الإدارية تختلف اختلافًا جوهريًا عما جاء فيه، وهو ما نبيّنه في أربع نقاط:

أولًا: هل هو معهد أم مسجد؟ القرار الوزاري يتكلم

يصف البيان البناية بأنها «معهد ديني وليست مسجدًا». لكن القرار الوزاري رقم 418/19 الصادر بتاريخ 13 دجنبر 2019 — وهو وثيقة رسمية متاحة للعموم — نص صراحةً على «إحداث صلاة الجمعة» في هذا الفضاء، وأدرجه ضمن السجل الوطني للمساجد. والإدراج في هذا السجل ليس رأيًا ولا تقديرًا، بل فعل قانوني يحوّل الفضاء إلى وقف عام خاضع لوزارة الأوقاف بموجب مدونة الأوقاف لسنة 2010، مع تعيين إمام وقيم للعناية به.

فإما أن يُطعن في القرار الوزاري — وهذا يعني الطعن في مؤسسات الدولة — وإما أن يُقبل، وعندها يسقط كل وصف مغاير.

أما الدفع بغياب الصومعة، فهو معطى عمراني لا أثر له على الصفة القانونية، إذ إن الصومعة ليست شرطًا شرعيًا ولا قانونيًا في تصنيف المساجد، وآلاف المساجد في المغرب وخارجه تقام فيها الصلوات دون صومعة، بل إن أول مسجد في الإسلام لم تكن له صومعة.

ثانيًا: حجة السلامة — تساؤلات حول التوقيت

يستند البيان إلى رسائل مهندسين مؤرخة في 2023 و2024 تتحدث عن مخاطر استغلال الموقع. وهنا يبرز تساؤل مشروع حول توقيت إثارة هذه الرسائل: إن كانت السلامة مصدر قلق حقيقي منذ 2023، فما الذي سمح باستمرار صلاة الجمعة دون انقطاع طوال تلك المدة؟ ولماذا لم تُفعّل هذه التقارير إلا في السياق الحالي؟

والأهم من ذلك أن اللجنة المشتركة التي عاينت المسجد بتاريخ 30 مارس 2026 — وهي لجنة رسمية تضم ممثلين عن وزارة الأوقاف والسلطات المحلية — سجلت في محاضرها خلاصات ميدانية تختلف عما يطرحه البيان، وخلصت إلى أن المبررات المقدمة لا تستند إلى أساس كاف، وأن المسجد كان صالحًا للصلاة.

والمحاضر الرسمية — لا البيانات الصحفية — هي المرجع في مثل هذه المسائل.

ثالثًا: الممارسة الفعلية التي أغفلها البيان

يتجاهل البيان واقعة ثابتة يعرفها أهل مداغ جميعًا: أن صلاة الجمعة كانت تُقام في هذا الفضاء في حياة سيدي جمال رحمه الله، بحضوره وإمامته، دون أن يُسجّل في حينه أي اعتراض أو حديث عن معهد أو سلامة أو صومعة.

هذا الحضور الفعلي والمستمر يُعد إقرارًا عمليًا بصلاحية المكان كمسجد جامع، ويجعل الانتقال المفاجئ إلى وصفه بـ«المعهد غير الصالح للصلاة» أمرًا يحتاج إلى تفسير مقنع، فقهيًا وإداريًا.
فمن شارك في إقامة الشعائر في هذا الفضاء لسنوات، يصعب عليه اليوم أن يدّعي أنه لم يكن مسجدًا.

رابعًا: الوقائع الميدانية — تكييف قانوني لا مزايدة

يختم البيان بتحذير من «المزايدة والتأويل الخاطئ». ونحن لا نزايد، بل نحيل على وقائع مسجلة في محاضر رسمية وشكايات مودعة لدى الجهات المختصة:

  • ما وُصف بمشادّات داخل المسجد أثناء خطبة الجمعة بتاريخ 23 يناير 2026، وهو ما أسفر عن شكايات مسجلة لدى الدرك الملكي.
  • التدخل في أرضية بناية مصنفة ضمن الملك الوقفي العام، بنيت جزئيًا بفضل هبة ملكية سامية، وذلك وفق ما تؤكده المصادر الرسمية المتاحة، دون أن تُبرز وثائق ترخيص وفق المساطر المعمول بها.
  • تعطيل إقامة صلاة الجمعة في فضاء مرخص لها بموجب قرار وزاري، وهو ما يطرح إشكالًا قانونيًا يتعلق بعرقلة ممارسة شعيرة مكفولة دستوريًا.

هذه ليست تأويلات، بل معطيات موثقة، والمؤسسات المختصة هي من يملك الفصل فيها.

خلاصة

البيان المنشور لم يقدم ما يكفي من الحجج في مواجهة الوثائق الرسمية. وصف الفضاء بالمعهد فرد عليه القرار الوزاري، واستند إلى دواعي السلامة فاختلفت معه خلاصات اللجنة المشتركة، وأغفل سنوات من إقامة صلاة الجمعة في عهد سيدي جمال، لأن ذكرها يضعف كل ما بناه من سردية.

ولعل أبلغ ما في هذا البيان ليس ما قاله، بل ما اختار إغفاله. لأن الوثائق حين تتكلم، لا ينفع الصمت عنها، ولا يجدي الالتفاف حولها.

الرأي العام المغربي، مريدين وغير مريدين، يتابع هذا الملف باهتمام متصاعد، وينتظر أمرين لا ثالث لهما: أن يُفتح المسجد أمام المصلين كما كان، وأن يتحمل من أمر بتخريبه المسؤولية القانونية الكاملة عن فعله. لأن الدولة التي بنت هذا المسجد بهبة ملكية سامية وسجلته في مؤسساتها لن تقبل — ولا ينبغي لها أن تقبل — أن يُعبث به ثم تُطوى الصفحة كأن شيئًا لم يكن.

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى