
السفير 24 – بقلم: د. ساجد المصطفى
يدفعنا هذا الوضع المتردي إلى استحضار متلازمة “ستوكهولم” «Syndrome de Stockholm» والمتمثلة في تشبت الضحية بالجلاد والتعايش مع المتعسف وتبرير ظلمه وقهره، ومعها أفكار الكاتب الفرنسي “إيتيان دولابويسي” « Etienne de La Boétie » في كتابه الشهير “خطاب العبودية الطوعية” “Discours de la servitude volontaire” والذي أوضح من خلاله، كيف أن الخنوع والاستسلام وعدم سلك طريق المواجهة والصراع والمقاومة هي مسلكيات تؤدي الى قبول الأمر الواقع والرضوخ اليه، وبالتالي الوقوع ضحية لتعقيداته، عوض العمل على التصدي له في أفق تغييره، وذلك بهدف تحقيق واقع بديل تكرس فيه الحقوق ويتم من خلاله بناء الإنسان وتعبئة حاجياته وتغطية تكاليفه، من تعليم وصحة ورعاية اجتماعية وسكن …، بالرجوع الى فكر الاقتصادي الفرنسي فرنسوا بيرو François Perroux)).
يجب كذلك الإشارة إلى تبني استراتيجية الخبز والألعاب “Le pain et les jeux” حسب الشاعر الروماني “جوفينال” «Juvénal» والتي ترمي الى إدماج فئات واسعة من المواطنين للانخراط في نظام استهلاكي لا يتعدى تلبية نداء البطن ولا يتجاوز سقف الخبز، ثم الحرص على تمكينه من محطات ترفيهية للتنفيس والترويح. هذه الإستراتيجية التي ترهن سعادة شرائح واسعة من المواطنين بتقلبات أسعار المواد الغذائية الأساسية ومواد إعادة إنتاج قوة العمل، وكذلك بتنظيم وتمويل المهرجانات الموسمية والتظاهرات الرياضية خاصة تلك المرتبطة بكرة القدم، والتي أضحت تعنى باهتمام بالغ من خلال السخاء التمويلي والتعبئة الإعلامية المفرطة وتجنيد ذوي المسؤوليات المعنية، والاهتمام البالغ بتسريع وتيرة إنجاز المشاريع الرياضية برصد كل الطاقات والموارد، كما هو حال الملعب الكبير لكرة القدم المصنف ضمن ملاعب تظاهرة كأس العالم، والذي يوجد بتربة إقليم بنسليمان، هذا الإقليم الذي يتكون من 15 جماعة حضرية وقروية والذي يفتقر تماما الى مستشفيات ومراكز صحية بموارد وتجهيزات طبية ملائمة، والذي لا توجد به أية مؤسسة جامعية، مع كل ما يتسبب ذلك في معاناة طلبة هذا الإقليم، خاصة وأن مشاكل هؤلاء الطلبة تتفاقم من خلال احتكار حافلات النقل من طرف شركة ذات أسطول متدهور، التي رغم أنها تقدم خدمات كارثية (حوادث السير، الحالة الميكانيكية المتردية وجدولة زمنية غير ملائمة، مضاعفة الحمولة وتكديس الركاب…) فقد تشبتت السلطات الإقليمية والمحلية بها إرضاء لصاحبها في إطار نظام المكافآت والامتيازات، زد على ذلك الغياب التام للأحياء والمطاعم الجامعية، وهزالة المنحة وضرب تعميمها والتي ظلت جامدة ولم تعرف أية زيادة تواكب آثار التضخم وارتفاع الأسعار.
وعليه فالمؤسف هو أن الإرادة تحظى بقوة عندما يتعلق الأمر ببناء ملعب كبير لكرة القدم مرتبط باستحقاقات عالمية تجند له كل الإمكانيات والوسائل البشرية والمالية واللوجيستيكية وتغيب تماما عندما يتعلق الأمر بإحداث وبناء مشاريع اجتماعية أساسية كبناء مؤسسات جامعية ومستشفيات، هذه المشاريع الاجتماعية التي تعتبر في المنظور الليبرالي كعبء على ميزانية الدولة وتحميلها أسباب عجز الميزانية في حين أن قطاعات أخرى تحظى بسخاء تمويلي ويتم تبرير أهميتها وبرمجتها.
فيتم بذلك رهن سعادة المواطنين وأوهامها بطموحات بخيسة ومتدنية، تقتصر على الخبز والترفيه والمهرجانات، وبالتالي المراهنة على حصر أفق تفكيرهم وتطلعاتهم بعيدا عن قضايا جوهرية وهامة تتجسد في التوزيع العادل للثروة وفصلها عن السلطة واستغلال النفوذ، وتكريس الدمقرطة الحقيقية وترسيخ عدالة مستقلة من خلال فصل حقيقي للسلط وسن سياسات عمومية مرتبطة بأكملها وكليا بإرادة المواطن.
لذلك نلاحظ طغيان المصلحة الفردية والخاصة وغلبة الطموحات الشخصية وتضخمها بحثا عن التسلق المادي على حساب المصلحة العامة التي تقتضيها المواطنة الحقة. هذا يدفعنا الى الوقوف على دور الفئة المثقفة التي استقالت من مهامها في التغيير المجتمعي عبر تذويبها ضمن منظور “نيوليبرالي” يحول المجال الى سوق تتقاطعه ثنائية منتج ومستهلك، وبالتالي تحويل قابلية كل شيء الى منطق التبضيع والتسليع (Logique de (marchandisation من خلال ضرب خصوصية المرفق العمومي وأهدافه وتشجيع منطق الربح المادي داخل القطاع العمومي (تشجيع التكوين المستمر، إقرار نظام التوقيت الميسر…).
فأين نحن من مفهوم المثقف العضوي حسب الفيلسوف الايطالي “أنطونيو غرامشي” «Antonio Gramsci»، ذلك المثقف الذي لا تهمه الطموحات الشخصية ولا المصالح الذاتية، بقدر ما يعطي كل الأولويات لهموم المواطنين وقضاياهم الأساسية والمرتبطة بمتطلبات المجتمع وحاجياته؟ عوض تبني نهج المثقف العضوي Intellectuel organique) نلاحظ، عكس ذلك، ظاهرة تنامي “مثقف الخدمة” (Intellectuel de service) الذي يكرس كل جهده على مواكبة الاسطوانة الرسمية وتلميع السياسات العمومية المتبعة، في حين أن المثقف هو الذي يصعب ذوبانه واستقطابه وضخه داخل أنبوب إستراتيجية ذوي النفوذ، وهو ذلك الفاعل الذي يغلب الحس النقدي والتحليل الموضوعي، والذي يعمل دوما على أخذ مسافة البعد، والانسلاخ عن كل ما يخدم أجندة خاصة، ويصب كل اهتماماته وانشغالاته صوب الانخراط في معركة الرأي والوعي
( Bataille d’opinion) والضغط المستمر لتوجيه السياسات العمومية في خدمة المواطن والمجتمع وضرورة انبثاقها من إرادة المواطنين.
فالبرجوع إلى سنوات مضت، فما كان للجهة التي تجرأت على وضع شاشة كبرى بمحاذاة مؤسسة جامعية، أن تفعل ذلك وأن تمر مرور الكرام التجاوزات والمعاناة التي نجمت عنها من خلال المنع وتدبير محاذاة المؤسسة الجامعية، كحرم جامعي، بطرق وأساليب تحكمية من طرف مصالح وزارة الداخلية والقوات العمومية ضدا على إرادة الفاعلين الجامعيين والحياة الجامعية اليومية.
فقيم الجامعة العمومية وأعرافها لا تسمح بالتساهل وتمرير ما من شأنه أن يبخس مكان المؤسسة الجامعية أو أن يحط من قيمة الفاعلين بها. فدور المثقف، كفاعل في التغيير المجتمعي، هو العمل على تطوير المنطق النقدي والحرص على أخذ مسافات البعد للحفاظ على التحليل الموضوعي وعلى الانخراط الفكري في معركة الوعي في ظل الهيمنة الثقافية للطبقة المهيمنة، التي تجند مالها من وسائل وأدوات وقنوات لبسط نفوذها وايديولوجيتها التي تخدم أجندتها ومصالحها.
فإستراتيجية تشجيع التظاهرات الرياضية والمراهنة على سعادة الاحتفال الموسمية (كأس إفريقيا للأمم، كأس العالم، المهرجانات والمواسم المحلية…) لا يمكن لها أن تمحو الشرخ الطبقي المتمثل في تعارض الأهداف وتضارب المصالح Antagonisme d’objectifs et conflit d’intérêts)) ما بين الفئة الحاكمة النافذة وشرائح واسعة من المواطنين عندما يتم اعتبارهم كمشاكسين يجب قمعهم وضبطهم و خنقهم تشريعيا و كموضوع اقتطاعات جبائية وذعائر أو كزبائن لمواد ومقاولات ذوي النفوذ والسلطة الذين يحتكرون القطاعات الإستراتيجية ويبسطون نفوذهم على منابع الإنتاج والثروة عبر الاستثمارات الريعية وتبني سياسة اقتصادية على مقاس أهداف الاغتناء الفاحش والسريع.
في ظل غياب الصراع لفرض هندسة مؤسساتية سياسية ودستورية وقضائية Architecture institutionnelle politique, constitutionnelle et judiciaire تضع البلاد على سكة الديمقراطية الحقة و لتجذرها عبر فصل حقيقي للسلط والإقرار الفعلي لاستقلالية القضاء – وذلك بسبب تخاذل وترويض “أحزاب سياسية” همها الوحيد هو “اقتسام كعكة المناصب والمنافع” وكذلك عبر تفريخ وتشجيع مجتمع مدني وإعلامي مواكب وملمع للسياسات العمومية المتبعة- فالوضعية الراهنة بالمغرب هي في حاجة الى دور المثقف الجامعي والى ثقله الفكري وارتباطاته العضوية والميدانية للضغط والدفع بالتغيير المجتمعي الذي يتوخى سياسات عمومية في خدمة المواطن، وكلها مرتبطة كليا بإرادته كالمصدر الوحيد لإنتاجها، خاصة وأن هذه الوضعية أضحت تتسم باعتماد قوانين ومشاريع قوانين على مقاس أهداف ومصالح الفئة الحاكمة المهيمنة تكرس الخناق والحصار والتفقير (سياسة جبائية غير عادلة، استراتيجية الترهيب وتكميم الأفواه، ضرب صندوق المقاصة برفع الدولة يدها عن دعم المواد الأساسية، ضرب حق الإضراب والاحتجاج…) و بمآسي وأزمات تضر كثيرا بالقوة الشرائية لشرائح واسعة من المواطنين وبالحقوق الاجتماعية على مستوى الصحة والتعليم والسكن و التغطية الاجتماعية، وبحقوق الإنسان والحريات كحرية التعبير من خلال الاعتقالات والاضطهادات والتعنيفات استنادا الى تقارير منظمات حقوقية محلية ودولية.
فالفئة المثقفة هي التي يتم التعويل عليها لتسريع وثيرة التغيير، عبر ضغطها في اتجاه توزيع خيرات البلاد بطريقة عادلة لفائدة جميع فئات المجتمع عوض الاقتصار والتركيز على المنظور الفئوي والمهني، الذي يراهن بالأساس على المصالح الضيقة والحسابات و الأهداف الشخصية دون الالتفات الى معاناة الفئات المهمشة المسلوبة في الحقوق الأساسية والحريات وبالتالي إقبار كل آمالها.
وضع بهذا الشكل هو الذي يقف وراء ما وصل إليه المرفق الجامعي من درك أسفل يتجلى في تفشي الروح الفردانية والجري وراء المنفعة الخاصة على حساب وزن وثقل وقيمة الحرم الجامعي والذي أصبح من السهل احتواؤه واختراقه، فأضحى كل من يذكر بالوظيفة المرجعية للجامعة ودورها الريادي في الصراع والارتقاء بدرجة الوعي أضحى كأنه قادم من زمن آخر وبعيد و من بقايا اركيولوجية تجاوزها الدهر والأحداث.
أستاذ بكلية الحقوق بالمحمدية *



