في الواجهة

من النفوذ المهني إلى الاستغلال: دلالات قضية بوعشرين

من النفوذ المهني إلى الاستغلال: دلالات قضية بوعشرين

le patrice

السفير 24

تكشف قضية توفيق بوعشرين، كما عرضتها الأحكام والوقائع القضائية، نموذجاً مقلقاً لكيفية تحول فضاء مهني عادي إلى مجال مغلق يُستعمل فيه النفوذ لأغراض بعيدة تماماً عن رسالته المفترضة. فبدل أن يكون المكتب الإعلامي إطاراً للعمل الصحفي واحترام القيم المهنية، أظهر مسار القضية أنه استُخدم كأداة للضغط والاستغلال، مستفيداً من هشاشة اجتماعية ووظيفية لنساء وجدن أنفسهن في علاقة قوة غير متكافئة.

وتتجلى خطورة هذه الوقائع في اعتمادها على عناصر تبدو، في ظاهرها، مشروعة: سلطة رب العمل، ورهبة فقدان الوظيفة، وهيمنة الموقع الإعلامي. غير أن هذه العناصر نفسها تحولت، في غياب الرقابة الأخلاقية والمؤسساتية، إلى وسائل للهيمنة، حيث جرى توظيف الخوف والحاجة والعمل الصحفي كغطاء لممارسات انتهكت الكرامة الإنسانية، كما أثبتته المحاكمات.

ولا تقف الإشكالية عند حدود الأفعال التي أدين بها المعني بالأمر، بل تمتد إلى التناقض الصارخ بين الخطاب والممارسة. فقد رافق تلك الوقائع خطاب علني يتبنى الدفاع عن القيم والأخلاق والنقد السياسي، في وقت كانت فيه الممارسات الواقعية تناقض بشكل جذري ما يتم الترويج له أمام الرأي العام. هذا التباين يسلط الضوء على خطورة السلطة الرمزية حين تُستخدم لتبييض السلوك بدل محاسبته.

الأكثر إثارة للقلق هو ما تكشفه القضية عن سلوك اجتماعي انتقائي، يتمثل في شدة الإدانة حين تُطرح قضايا الاستغلال في سياقات خارجية، مقابل قدر من التسامح أو التغاضي عندما تتعلق بشخصيات محلية ذات حضور إعلامي وتأثير رمزي. هذا التناقض يعكس خللاً في معايير الحكم الأخلاقي، ويطرح مسؤولية جماعية في إعادة إنتاج النفوذ لمن ثبت قضائياً تورطه في انتهاك حقوق الآخرين.

إن الاستمرار في الإصغاء إلى أصوات أدانها القضاء في قضايا خطيرة، ومنحها منابر للتأثير وتوجيه الرأي العام، لا يمكن اختزاله في نقاش حول حرية التعبير وحدها، بل يندرج ضمن إشكالية أعمق تتعلق بتطبيع الانتهاك، وتهميش معاناة الضحايا، وإعادة الاعتبار لسلطة استُعملت خارج إطارها المشروع.

في النهاية، لا تحيل هذه القضية على مكان أو شخص بقدر ما تعكس حالة اجتماعية وأخلاقية، قوامها ضعف الرقابة، واختلال العلاقة بين الخطاب والسلوك، وخطر التساهل مع الاستغلال حين يكون مرتكبه قادراً على التحكم في السرد، وفرض الصمت، وتأجيل الغضب المجتمعي. وهي دعوة مفتوحة لإعادة التفكير في معايير الثقة والمسؤولية داخل الفضاء الإعلامي والعمومي.

إعلان gardenspacenouaceur

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى