في الواجهةكتاب السفير

التربية الإعلامية في العصر الرقمي: الحاجة إلى التفكير النقدي لمواجهة الأخبار الزائفة

التربية الإعلامية في العصر الرقمي: الحاجة إلى التفكير النقدي لمواجهة الأخبار الزائفة

le patrice

السفير 24 – وردية السكاكي

نظراً للتحول العميق الذي يعيشه المجتمع العالمي عموماً والمغربي خصوصاً، وما رافقه من تغيرات جذرية مست المنظومة الإعلامية في ظل الزحف الرقمي المتسارع، أضحى موضوع التربية الإعلامية إشكالية راهنية تستدعي نقاشاً جاداً ومسؤولاً، لما لها من ارتباط مباشر ببناء الوعي الفردي والجماعي وحماية المجتمع من الانزلاقات الإعلامية.

في هذا السياق، ركزت الحملة الوطنية للاستعمال الآمن للأنترنت في نسختها لسنة 2026 على مواجهة الأخبار الزائفة، في تعبير واضح عن تنامي الوعي بخطورة التضليل الإعلامي، والحاجة الملحة إلى تحصين الأفراد، ولا سيما الأطفال والشباب، من الممارسات الإعلامية غير المسؤولة.

إذ لم يعد ممكناً فرض رقابة شاملة أو قوانين صارمة على كل ما يُنشر، في زمن التحرر أو الانفلات الإعلامي، حيث حولت وسائط التواصل الاجتماعي كل فرد إلى منتج وناشر للمحتوى، داخل فضاء يتسم بتدفق غير مسبوق للمعلومات، وتداخل الخبر بالرأي، والواقعي بالمفبرك.

وينطلق مفهوم التربية الإعلامية من اعتبار الوعي الإعلامي عملية دينامية ومتطورة، لا تقتصر على اكتساب مهارات أولية، بل تتطلب تحديثاً مستمراً للكفايات بما يواكب تطور الوسائط الرقمية وأشكال إنتاج المحتوى. فالفرد مطالب، بشكل دائم، باكتساب مهارات جديدة تمكنه من التعامل مع الإعلام بوعي ونقد ومسؤولية، داخل سياق رقمي متعدد ومعقد.

وفي هذا الإطار، تؤكد منظمة اليونسكو أن التربية الإعلامية تشكل حقاً أساسياً من حقوق المواطن، مما يجعل الحديث عن دور المؤسسة التعليمية في هذا المجال أمراً ملحاً. فالمؤسسة التعليمية تضطلع بدور محوري في بناء ثقافة المجتمع، وإكساب قيم الاقتناع والالتزام والممارسة، وهي مدعوة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى تجاوز أدوارها التقليدية القائمة على التعليم والتعلم، نحو أدوار جديدة تمكنها من مواكبة التحولات المتسارعة وتقديم إجابات تربوية داخل الفصول الدراسية.

وفي عالم غير واضح المعالم، يتعرض الأطفال والمراهقون لفيض هائل من الأخبار، والمحتويات غير اللائقة، وخطابات العنف والكراهية، ما يجعلهم فئة هشة أمام التأثيرات السلبية للإعلام. من هنا، تسعى التربية الإعلامية إلى تأهيل الأفراد لاكتساب كفايات تسمح لهم بتقييم المعلومات التي يتلقونها، وبناء وعي إعلامي يحصنهم من مخاطر الإعلام الرقمي. ويتقاطع هذا التوجه مع الرهانات التي تطرحها الأدبيات التربوية المغربية، الداعية إلى الانتقال من منطق التلقين إلى منطق التعلم الذاتي، وتعزيز الحوار والمشاركة، وتنمية الحس النقدي وروح المبادرة، ورفع تحدي الفجوة الرقمية.
وتقوم التربية الإعلامية على توليفة من القيم والمعارف والسلوكات، تتجسد في أربعة أبعاد متكاملة:

التقييم والتفكير النقدي؛

حرية التعبير واحترام الرأي الآخر؛

احترام القانون وقواعد العيش المشترك؛

الالتزام والفعل واتخاذ المواقف.

ويزداد هذا الرهان تعقيداً مع بروز الذكاء الاصطناعي كفاعل جديد في الثورة الإعلامية المعاصرة، حيث بات يشارك الإنسان في إنتاج المحتوى، وتحرير الصور والفيديوهات، وتقليد الأصوات، وصياغة الأخبار. ومع سهولة تخزين المحتوى وتداوله على نطاق واسع، تتعاظم الحاجة إلى وعي نقدي يدرك حجم السلطة الجديدة التي يمتلكها الفرد، وما يترتب عنها من مسؤوليات أخلاقية وقانونية.

ويشكل وجود جمهور واعٍ وناقد عاملاً ضاغطاً يدفع وسائل الإعلام إلى تحسين جودة محتواها والالتزام بالدقة والموضوعية، بما يخدم المصلحة العامة ويعزز الثقة في الإعلام. ويسهم الوعي الإعلامي في بناء مواطن قادر على التمييز بين الأخبار الصحيحة والزائفة، وكشف ما يعرف بـ”ما بعد الحقيقة” (Post-truth)، التي تعتمد على التأثير العاطفي بدل الوقائع.

وتبرز خطورة هذه الظاهرة من خلال أمثلة واقعية، من بينها ما رافق نهائيات كأس إفريقيا 2025 بالمغرب، حيث استُغلت الحماسة الوطنية لترويج أخبار زائفة حول المؤامرة وشراء الحكام وفبركة التصريحات، في إطار ما يعرف بـ”نظرية العدوى النفسية”، لينتقل التضليل إلى صناعة واقع بديل.

كما تم توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في تهويل فيضانات القصر الكبير عبر صور مفبركة، ما يعزز ما تسميه نظرية الاستزراع الإعلامي بـ”متلازمة العالم الشرير”، حيث يبدأ المتلقي في رؤية العالم كمكان مخيف وغير آمن.

ومن هنا، تبرز أهمية مهارة التفكير النقدي في تحليل الخطابات الإعلامية التي تروج صوراً ومعلومات مزيفة، خاصة في فترات الأزمات والحروب والأحداث الكبرى، لما لها من دور في:

بناء وعي إعلامي يحمي الفرد من التضليل والتسمم الإعلامي؛

تمكين المتلقي من فرز المحتوى بين ما هو سلبي ورديء وما هو إيجابي ونافع؛

تحويل المتلقي من مستهلك سلبي إلى فاعل إيجابي قادر على التحليل والتقويم.

وخلاصة القول، فإن إدماج التربية الإعلامية في السياسات التعليمية، وتعزيز دور الأسرة والمدرسة في هذا المجال، يشكلان رهانا أساسيا لبناء مجتمع ديمقراطي متماسك وقادر على مواجهة تحديات العصر الرقمي. وهو ما يستدعي إعادة النظر في أدوار المدرسة وتجديدها وتسليحها بالوسائل والإمكانات الضرورية، إذ لا مستقبل لمنظومة تربوية جامدة في عالم سريع التحول، ولا أفق لمدرسة بدون مدخل الوعي الإعلامي.

مفتشة تربوية*

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى