
السفير 24 – الدنمارك : ذ. حيمر البشير
يتجلى الإخلاص في حب الوطن في التعبير الصادق عن المشاكل اليومية التي يتخبط فيها المواطن، لأن التزام الصمت عن الفساد المستشري يُعد خيانة حقيقية لهذا الوطن.
وانطلاقاً من هذا المبدأ، فإن المسؤول الذي يتحمل مسؤولية تدبير شؤون الدولة مطالب بالإنصات إلى كل الانتقادات التي يعبّر عنها المواطن بمختلف الوسائل، وبنية الإصلاح والتنبيه.
وتتخذ هذه الانتقادات أشكالاً متعددة، إما بصوت جهوري عبر المنابر الإعلامية المسموعة والمرئية والورقية من خلال مقالات صحفية، أو عبر وقفات احتجاجية، أو بكتابة مقالات تعكس الغضب الشعبي مما يجري في البلاد. فالانتقاد في حد ذاته يُعد وصفة علاج، علاجاً للاختلالات التي قد يقع فيها المسؤول أثناء تدبير الشأن العام.
وعلى كل مسؤول يتحلى بروح وطنية صادقة أن يتقبل الانتقادات، ويستمع إلى صوت الشارع والمنابر الإعلامية، من أجل معالجة مكامن الخلل وتصحيح الاختلالات. فالانتقادات ضرورية لكل من يتحمل مسؤولية تدبير الشأن العام، لأنها تتيح له مراجعة الأخطاء التي قد يقع فيها خلال الممارسة اليومية، خصوصاً في بدايات مشواره العملي.
ولا بد من التأكيد على أن المسؤولية مسؤولية مشتركة أمام الله، ومسؤولية مباشرة أمام المواطن. فإن أحسن المسؤول التدبير وأراح المواطن، فقد فاز فوزاً عظيماً، وساهم في بناء الوطن وبناء المواطن، وتربيته تربية سامية، وإعداده لتحسين صورة المغرب، وفي الوقت نفسه إعداد جيل قادر على تحمل المسؤولية مستقبلاً.
والغاية هي إعداد إنسان مغربي فخور بانتمائه لوطنه، مغرب منبت الأحرار ومشرق الأنوار، وهي مصطلحات ظلت راسخة في ذاكرتنا منذ ولوجنا المدرسة، حين كنا نرددها كل صباح خلال الدخول المدرسي دون أن ندرك عمق معانيها. إن هدفنا جميعاً يجب أن ينصب على المساهمة في إعداد جيل يعتز بمغربيته وثقافته، من أجل تناوب مريح ومسؤول في المستقبل، وهو منهج قويم في الحياة حتى تستقيم الأمور.
وقد يلمس المسؤول الحكومي أحياناً استفزازاً مبالغاً فيه من طرف الكاتب الصحفي الذي يتناول بعض الأحداث بأسلوب لافت للقارئ، وقد يبدو هذا الطرح مستفزاً للمسؤول، إلا أن الهدف من الانتقاد اللاذع في كثير من الأحيان هو إشباع رغبة فئات لا قدرة لها على التعبير، وكشف المستور والممارسات التي تسيء لصورة الوطن والإنسان.
إن الهدف الأسمى لكل مواطن هو المساهمة في بناء وطن يسمو ويعلو، ويأخذ مكانته بين الدول المتقدمة التي تسير في الطريق الصحيح نحو التقدم والرقي والازدهار.
كما أن بناء الإنسان المغربي أخلاقاً وثقافةً وفكراً يبقى من بين الأهداف الكبرى التي يجب أن يركز عليها كل مسؤول يتحمل مهام التدبير في أي قطاع من قطاعات الدولة، رغم ما يحمله ذلك من ثقل ومسؤولية تتطلب المثابرة والعمل الجاد لكسب ثقة المواطن.
ولا بد للجميع من استحضار أن الخروج من الوضعية الاقتصادية التي تعاني منها بلادنا يتطلب بذل مجهودات كبيرة من مختلف مكونات الحكومة، من أجل معالجة الغلاء الفاحش الذي يؤثر بشكل مباشر على القدرة الشرائية للمواطن المغربي. ويُعد هذا التحدي من أكبر الإكراهات التي تواجه الحكومة في تجاوز المرحلة العصيبة التي تمر بها البلاد، خاصة في ظل آثار الجفاف، مع الحمد لله على التساقطات المطرية الأخيرة التي عرفها المغرب، والتي ستساهم دون شك في التخفيف من تكاليف المعيشة.
ومن باب الواقعية والمسؤولية، لا يمكن إنكار أن بلادنا قد خطت خطوات جبارة في مجال التنمية، وأن ملامح العديد من المدن قد تغيرت بشكل كبير، سواء من خلال تطوير البنية الطرقية أو التحول الإيجابي الذي تعرفه عدة حواضر. كما أن استضافة المغرب لكأس إفريقيا، وما رافقها من تجهيزات وبنيات تحتية، عكست صورة مشرقة نالت إشادة الجماهير الإفريقية، سواء من خلال حضورها في ملاعب تضاهي نظيراتها العالمية، أو عبر النقل التلفزيوني الذي واكب هذه التظاهرة.
غير أن هذا الحراك الإيجابي لا ينبغي أن يجعلنا نغض الطرف عن واقع الغلاء المعيشي، وتراجع القدرة الشرائية، وغياب فرص العمل، وضعف المداخيل التي تضمن الكرامة للمواطن المغربي. وهي أوضاع تدفع إلى التحرك ورفع الصوت عالياً، سواء عبر التظاهر السلمي في الشارع أو عبر القلم، من أجل تجسيد المعاناة، وتقديم اقتراحات بناءة لمعالجة الإشكالات التي يتخبط فيها الاقتصاد الوطني والتدبير الحكومي.


