
السفير 24
ما جرى في ملتمس الرقابة لم يكن حادثا عرضيا ولا نتيجة ظرف تقني أو حساب عددي، بل كان فضيحة سياسية مكتملة الأركان. معارضة رفعت السقف إعلاميا، وتباهت بقدرتها على “هز الحكومة”، ثم سقطت سقوطا مدويا عند أول اختبار جدي. لم تفشل لأنها كانت أقلية عددية فقط، بل لأنها أقلية سياسية مفككة، بلا قرار موحد، وبلا حد أدنى من الانضباط أو الشجاعة.
اليوم، تعود نفس المعارضة، التي أهدرت لحظة سياسية نادرة، لتخرج من جيبها ورقة “ الإحالة على المحكمة الدستورية” بخصوص مشروع القانون 26.25 المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، وكأنها اكتشفت فجأة أن النص معيب، أو أن حرية الصحافة مهددة، أو أن الدستور ينتهك. والحقيقة أن هذا التحرك ليس إلا محاولة يائسة لترقيع صورة تنسيق انهار، وللتغطية على فشل ذريع لم تستطع هذه المعارضة حتى الاعتراف به.
الأكثر إثارة للسخرية أن نفس الأطراف التي عجزت عن فرض الانضباط على فرقها البرلمانية لإنجاح ملتمس الرقابة، تمارس اليوم ضغوطا واتصالات محمومة لإقناع نوابها بالتوقيع على طلب الإحالة.
معارضة لا تستطيع ضمان تصويت نوابها في لحظة سياسية كبرى، لكنها تريد إقناع الرأي العام بأنها تدافع عن الدستور والحريات. أي مفارقة أكثر فجاجة من هذه؟
إن إحالة القوانين على المحكمة الدستورية حق دستوري مشروع، لكنها حين تتحول إلى ورقة تدارك بعد الفشل، أو إلى قشة يتشبث بها الغارقون سياسيا، تفقد معناها النبيل وتتحول إلى فعل استعراضي بلا روح. فالدفاع الحقيقي عن حرية الصحافة لا يكون بالمناورات المتأخرة، بل بمواقف واضحة، وبمعارك سياسية تُخاض في وقتها، لا بعد سقوط الأقنعة.
لقد كشفت تجربة ملتمس الرقابة أن ما يسمى “ تنسيق المعارضة ” ليس سوى لافتة إعلامية فارغة، تخفي تحتها صراعات زعامات، وحسابات انتخابية ضيقة، وخوفا مزمنا من تحمل كلفة القرار السياسي. وهذه الأعطاب نفسها هي التي تجعل اليوم معركة القانون 26.25 تدار بمنطق الابتزاز من أجل المقاعد، لا بمنطق الدفاع المبدئي عن استقلالية الصحافة والتعددية.
المشكلة الحقيقية ليست في معارضة فقدت دورها التاريخي، وتحولت من قوة اقتراح ورقابة إلى مجرد صدى مرتبك للأحداث.
معارضة تخطيء التوقيت، وتسيء اختيار المعارك، ثم تبحث عن شماعات دستورية لتبرير عجزها. وهكذا، بدل أن تكون الإحالة على المحكمة الدستورية فعل قوة سياسية، تتحول إلى اعتراف غير مباشر بالفشل، وإلى دليل إضافي على أن هذه المعارضة لم تعد قادرة لا على المواجهة ولا على الإقناع ولا على الترافع على قضايا المغاربة بل تحولت إلى شركة مناولة في سوق ” الابتزاز ” الذي تبتغيه بعض ( الإطارات ) التي لم تميز بين العمل النقابي وأدواته وبين ( المتاجرة ) باسم العمل النقابي .



