
السفير 24
ليس أسوأ على السياسي من أن يُهزم بالوثيقة، ولا أبلغ في السخرية من أن يكذبه الأرشيف الرسمي وهو ما يزال يلوّح بادعاءاته.
هذا بالضبط ما وقع فيه محمد أوزين، الذي قرر ــ بجرأة لا تحسد ــ أن يلعب دور “محرّر الأخبار العاجلة”، لكن دون عناء التحقق، ولا حد أدنى من الثقافة المعلوماتية.
ادعى أوزين، بثقة الخطيب على المنصة، أن مؤسسة “شوف تي في” استفادت من دعم مالي لإنتاج أفلام سينمائية. ادعاء بدا للبعض “سبقا سياسيا”، لكنه لم يصمد أكثر من دقائق أمام حقيقة بسيطة: تقارير المركز السينمائي المغربي منشورة ومتاحة للعموم، وتتضمن لوائح دقيقة بأسماء المستفيدين، ولا أثر فيها لا من قريب ولا من بعيد للمؤسسة التي زج باسمها في روايته.
هنا لا نتحدث عن اختلاف في التأويل، ولا عن قراءة سياسية متباينة، بل عن سقوط معرفي صريح: وثيقة رسمية مقابل كلام مرسل. أرقام وأسماء منشورة مقابل اتهام بلا سند. وفي زمن أصبح فيه التحقق مسألة نقرة واحدة، يصر أمين عام حزب سياسي على ترويج معلومة خاطئة، ثم ينتظر من الرأي العام أن يصفق!
المفارقة الساخرة أن أوزين، الذي يفترض فيه أن يقود حزبا سياسيا، سقط في أبسط قواعد العمل العمومي: اقرأ قبل أن تتهم. وكأننا أمام نموذج حي لـ“السياسي اليوتيوبر”، حيث العنوان المثير أهم من الحقيقة، والضجيج أعلى من الوثيقة.
ضحالة هذا السلوك لا تقف عند حدود الخطأ، بل تكشف أزمة فكرية ومعلوماتية أعمق: استخفاف بعقول المواطنين، واستهانة بمبدأ الشفافية، ومحاولة تعويض ضعف الحجة بالصراخ. فحين تعجز السياسة عن الإقناع، تلجأ إلى الإشاعة، وحين تغيب الرؤية، تحضر الأكذوبة.
إن ما فضح كذب أوزين ليس خصومه، ولا الصحافة، بل الوثائق نفسها. تلك التي لم يكلف نفسه عناء قراءتها، أو قرأها ولم يفهمها، وفي الحالتين فالمصيبة واحدة. لأن السياسي الذي لا يميّز بين المعلومة والرأي، ولا بين الدعم العمومي والإشاعة، لا يسيء فقط إلى نفسه، بل إلى العمل السياسي برمّته.
في النهاية، ليست المشكلة في أن يخطئ سياسي، بل في أن يُصرّ على الخطأ، ويحوّله إلى خطاب.
أما الحقيقة، فهي ــ كعادتها ــ لا تحتاج إلى صراخ… يكفيها أن تنشر .



