
السفير 24
يحلّ يوم الخميس كفترة راحة في منافسات كأس أمم إفريقيا، بعد أربعة أيام فقط كانت كافية ليجد المغرب نفسه في قلب الحدث الرياضي القاري والدولي.
أيام قليلة رسخت صورة المملكة كبلد قادر على كسب الرهان، ليس فقط رياضيًا، بل تنظيميًا ولوجيستيًا وأمنيًا، من خلال بنية تحتية متطورة وحفاوة استقبال لافتة لضيوف القارة الإفريقية وغيرهم.
على مستوى التأثير الإعلامي، جاء الدعم من حيث لم يكن متوقعًا، إذ ساهم عدد من المؤثرين و”التيكتوكرز” الجزائريين، بشكل عفوي، في نقل صورة إيجابية عن المغرب، حصدت عشرات الملايين من المشاهدات، وأربكت حسابات بعض الأصوات الإعلامية التي راهنت على إثارة الفتنة. وبرز في هذا السياق الجدل الذي أثير حول والدة اللاعب رياض محرز، في واقعة إعلامية فُسّرت خارج سياقها، رغم أن رسالتها لم تحمل إساءة للمغرب بقدر ما عكست تداخلًا إنسانيًا وثقافيًا بين ضفتي الأصل والانتماء.
ورغم التنافس الكروي المشروع، بدا واضحًا أن المغاربة يدركون أن المكسب الحقيقي يتجاوز التتويج بالكأس، ليشمل ترسيخ سمعة دولية إيجابية، وتنظيمًا محكمًا، وأمنًا مستتبًا، وبنية تحتية أثبتت جاهزيتها في مختلف الظروف. وحتى السماء، بما حملته من أمطار، بدت وكأنها اختبرت جاهزية المملكة، لتؤكد مرة أخرى صلابة المنشآت وقدرتها على الصمود، في رسالة عملية للمشككين، واستباقًا لاستحقاقات كبرى مقبلة، على رأسها مونديال 2030.
في هذا السياق، بدا رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم، جياني إنفانتينو، مرتاحًا لما شاهده، في ظل تقارير تقنية غير مباشرة أكدت أن الملاعب والبنيات التحتية المغربية تستجيب للمعايير المطلوبة، دون الحاجة إلى جولات تفتيش إضافية.
أما على المستوى الإعلامي العربي، فقد سُجّل إجماع واسع على دعم المغرب، باستثناء أصوات محدودة سرعان ما وُوجهت بالتصحيح والتفنيد من داخل بلدانها.
وعلى المستوى الرمزي، حملت ضربة الانطلاقة التي أعطاها ولي العهد الأمير مولاي الحسن دلالات تتجاوز البعد الرياضي، حيث رآها المغاربة تعبيرًا عن مغرب شاب، واثق، مقبل على تحديات كبرى. في المقابل، يواصل جلالة الملك محمد السادس، حفظه الله، تتبع مختلف التفاصيل المرتبطة بإنجاح هذا الموعد القاري، في انسجام تام مع الرهانات الاستراتيجية للمملكة.
ومن قلب الرباط، يدير المدير العام للأمن الوطني ومراقبة التراب الوطني واحدة من أكبر العمليات الأمنية المرتبطة بـ“الكان 2025” و”مغرب 2030”، واضعًا منظومة متكاملة تجمع بين الصرامة والاحترافية، وتضمن أمن الضيوف والمواطنين على حد سواء. وقد لفتت هذه المنظومة انتباه الجماهير الأجنبية، التي لم تكتف بتوثيق الملاعب والمنشآت السياحية، بل اهتمت أيضًا بتصوير رجال ونساء الأمن ومعداتهم المتطورة، في مشهد عكس ثقة وطمأنينة قلّ نظيرها.
وفي واقعة دالة، تمكنت الأجهزة الأمنية، خلال مباراة الافتتاح، من رصد متفرج استعمل أشعة “الليزر” وسط عشرات الآلاف من الحاضرين، دون أي ارتباك أو فوضى، ما أثار تساؤلات الإعلام الدولي حول مستوى الجاهزية والدقة، وأكد مرة أخرى أن الأمن في المغرب يقوم على الاستباق لا ردّ الفعل.
ومع انتظار استئناف المباريات، يتهيأ الوافدون الأجانب لاكتشاف بعد آخر من خصوصية المغرب، يتمثل في أمنه الروحي، من خلال مساجده، وتقاليده الدينية، وجمالية التلاوة والأذان، في انسجام تام مع الأمن الميداني. إنه نموذج مغربي متكامل، يجعل من المملكة استثناءً في الاستقرار والطمأنينة، ويؤكد أن “الكان” لم يكن مجرد بطولة، بل رسالة دولة تعرف جيدًا كيف تربح الرهانات الكبرى.



