في الواجهةكتاب السفير

بين اليونسكو و”الهواوية”: منين جاك القفطان.. سؤال أربك بروباغاندا الجزائر

بين اليونسكو و"الهواوية": منين جاك القفطان.. سؤال أربك بروباغاندا الجزائر

le patrice

السفير 24 – جمال اشبابي – باريس

يبدو أن الجزائر الرسمية قررت أن تتخصص في فرع سياسي جديد: “الاستحواذ الثقافي بالتقسيط”. مشروع دولة كامل مبني على فرضية بسيطة جدا: كل ما يعجبنا… ننسبه لينا. تماما كما يفعل طفل في الخامسة حين يرى لعبة عند الجار، فيقتنع أن الملكية مفهوم قابل للتفاوض. الفرق الوحيد أن الطفل، على الأقل، يعترف أحيانا بالحقيقة بعد قطعة حلوى، بينما في حالتنا، يبدو أن “المصالحة مع الواقع” سلعة نادرة شرق الحدود.
المسرحية بدأت بالقفطان. العالم كلّه، من نيودلهي حتى ردهات اليونسكو، يصفق للقفطان المغربي، إنتاج قرون من الحرفية والتاريخ والأناقة. لكن عند الجارة الشرقية، بدا الأمر كعملية جراحية بدون تخدير: كيف لقطعة قماش مغربية أن تحظى بكل هذا المجد؟ وما العمل الآن؟ لا بأس… ندّعي أنه “كان عندنا”، ثم نبحث لاحقا عن أدلة. وإن لم نجد، نلوم “المؤامرة الإمبريالية” كالعادة. المهم أن نصدر بيانا سريعا، قبل أن ينتبه الشعب إلى أن المشكلة الحقيقية ليست في القفطان، بل في “القفطانة” السياسية نفسها.
ثم جاء دور الطاجين. وهنا بلغت الكوميديا مستوى محترما. الطاجين—ذلك الوعاء الطيني الذي يشبه المغرب في بساطته—صار فجأة جزءا من “التراث الجزائري العميق”، رغم أن الأغلبية العميقة نفسها لم تتذكر وجوده إلا بعد صدور وثيقة مغربية. كأن الأمر لا يتعلق بمطبخ بقدر ما يتعلق بملء ثغرة في رواية طويلة عنوانها: نحن أيضا لدينا تراث… فقط أعطونا وقتا لنكتشفه.
وحتى لا يبقى شيء خارج اللائحة، تم ضم الطنجية المراكشية إلى قائمة المطلوبين. تخيلوا: طبق مراكشي عمره مئات السنين، بطقوسه وأفرانه وأسواقه، يثير لعاب جهاز دعاية كامل. لقد تحولت الجزائر الرسمية إلى شخص يظهر في عرس مغربي ثم يصرخ في منتصف الحفل: “الكاميرة ديالكم راها ديالي!”. ردة فعل لا يمكن تفسيرها إلا بأنها غيرة جيوسياسية بطعم الحساء البارد.
لكن الذروة، كل الذروة، جاءت مع الأغنية الشعبية الجزائرية نفسها وهي تشهد—من داخل أرشيفها—بأن الصباط والشربيل والقفطان والخلخال… كلها “جاية من المغرب”. وثيقة تاريخية سجلها فنانون جزائريون قبل أن يصبح إنكار الواقع رياضة وطنية. الأغنية تقر بالحقيقة ببراءة، لكن الجمهور الرسمي قرر معاقبتها: “هذه ليست أغنيتنا… والفنان ليس فناننا… واللهجة ليست لهجتنا”. وحده الهواء بقي جزائريا، إلى أن يثبت العكس.
المشهد كله يشبه مباراة بين فريقين: فريق يعمل، يبني، يوثق، ويحصل على اعتراف دولي؛ وفريق آخر يجلس في المدرجات، يراقب، ويتهم الحكم بأنه “مغربي الهوى”. مشكلة الفريق الثاني ليست في المهارات، بل في الهوية الرياضية نفسها: يريد الفوز دون أن يشارك في المباراة. يريد تراثا دون أن يتعب في صناعته. يريد ماضيا دون أن يملك أرشيفا. يريد كل شيء… ما عدا مواجهة مرآته.
لم يكن المغرب يوما بحاجة إلى سرقة شيء من أحد. تراثه يمشي أمامه، ببطء ووقار، في اليونسكو وفي المتاحف وفي الأسواق. أما الجزائر الرسمية، فتنشغل بترقيع قصة لا تتماسك: قصة نظام يعتقد أن الهوية مثل “USB”، يمكن نسخها من جهاز الجار وإعادة تسميتها.
المثير للشفقة أن كل هذه الضجة لم تمنع الحقيقة البسيطة من الظهور: إذا كان التراث شجرة، فالجذور في المغرب، والظل في المنطقة كلها. لكن فقط في الجزائر الرسمية، هناك من يظن أن بإمكانه اقتلاع الشجرة… عبر بلاغ صحفي.
لكن السؤال الذي لا يريد أحد هناك سماعه: هل تبحث الجزائر الرسمية عن تراث، أم عن مرآة لا تعكس المغرب؟

إعلان gardenspacenouaceur

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى