في الواجهةكلمة السفير

المهدوي… حين تتحول المظلومية إلى أداة لهدم المؤسسات

المهدوي… حين تتحول المظلومية إلى أداة لهدم المؤسسات

le patrice

السفير 24 – حسن راقي

لم يعد السجال الذي يثيره حميد المهدوي مجرد اختلاف في وجهة نظر أو نقاش مهني طبيعي داخل الحقل الإعلامي، بل تحول، في تقديري، إلى ظاهرة تطرح إشكالات عميقة تتعلق بحدود المسؤولية في استعمال المنصات الرقمية، وبموقع الصحافي داخل منظومة أخلاقية يفترض أن تُعلي من شأن الحقيقة وتحفظ كرامة الأشخاص ومصداقية المؤسسات.

فالتصريحات التي خص بها المهدوي عددا من الوجوه المهنية والمؤسسات الرسمية تتجاوز حدود النقد المشروع إلى مستوى الاتهام المباشر، والافتراء، والتهجم الشخصي، في سياق يبدو أنه يتغذى على خطاب المظلومية أكثر مما يستند إلى حقائق قابلة للتحقق.

لقد بلغ التطاول على رئيس اللجنة المؤقتة لتسيير شؤون قطاع الصحافة والنشر مستوى غير مسبوق، رغم أن الرجل يُعرف داخل الوسط الصحافي بنزاهته واستقامته وحنكته في تدبير الملفات المعقدة. كما أن تحويل شخصية مهنية محترمة إلى موضوع للتشكيك والاتهام ليس إلا مؤشراً على نزوع نحو هدم المصداقية وتغذية التشويش، بدل المساهمة في نقاش مهني رصين.

والأمر نفسه ينطبق على الأستاذ خالد الحري، ذلك الصحافي الهادئ الذي يحظى بتقدير واسع داخل الساحة الإعلامية، والذي وجد نفسه هدفاً لخطاب حاد يفتقر إلى الإنصاف وإلى الحس الأخلاقي الذي يفترض أن يميز صاحب الكلمة العمومية.

وما يزيد من تعقيد هذا المشهد هو توجيه المهدوي اتهامات خطيرة لرئيس المجلس الأعلى للسلطة القضائية، وهي مؤسسة دستورية مستقلة يقودها الأستاذ محمد عبد النباوي، الرجل الذي شُهد له بالتزامه الصارم بمبدأ سيادة القانون وبحماية الحقوق والحريات. فالطعن في قضاة المملكة وفي نزاهتهم لا يدخل ضمن باب التعبير، بل يمس ثقة عمومية تُبنى عبر عقود وتُعد ركنا أساسيا لاستقرار المجتمع وطمأنينة المواطنين. كما أن المساس بمصداقية هذه المؤسسات على أساس شكوك شخصية أو سرديات ذاتية هو مسار يهدد الفضاء العام ولا يخدم حرية الصحافة في شيء.

أما نشر مقتطفات من اجتماعات داخلية تخص لجنة أخلاقيات المهنة والقضايا التأديبية، فقد شكل منعطفا خطيرا لأن الأمر يتعلق بمحتوى محمي قانونا، يخضع للسرية، ويُعد الاطلاع عليه أو ترويجه خارج الإطار الرسمي فعلا مجرما. واستعمال مواد مجتزأة ومنتقاة بطريقة تُضخم الهوامش وتُغيب السياق، لا يمكن اعتباره ممارسة إعلامية، بل هو انزلاق يهدف إلى تغليط الجمهور وتغذية خطاب التحريض. ومن الواضح أن ما يُقدم عبر تلك المقاطع ليس سوى بناء سردية ذات اتجاه واحد تُوظف فيها الضحية والجلاد وفق مقاييس تخدم صاحب البث.

إن ما يفعله المهدوي منذ أشهر يبدو أقرب إلى معركة شخصية ضد القانون ذاته، أكثر مما هو دفاع عن حرية التعبير. فمن يرفض الامتثال لقرارات قانونية، ويتصور نفسه خارج دائرة المساءلة، ويهاجم كل مؤسسة تُفعل القانون في حقه، يختار عن قصد التموضع في منطقة رمادية بين الصحافة والتحريض. وهذا التموضع يضر أولا بصورة الإعلام ويختزل دوره في صراعات فردية تُقدم في صيغة نضال زائف.

لقد أصبح من الضروري إعادة التأكيد على أن احترام المؤسسات ليس خيارا ظرفيا، وأن النقد، لكي يكون بناءً، عليه أن يستند إلى أدلة ومعطيات، لا إلى تأويلات أو روايات شخصية. كما أن مسؤولية الكلمة ليست شأنا ثانويا، بل جوهر العمل الصحافي، ومتى تحولت الكلمة إلى أداة للتشهير والقدح وتقويض الثقة في المؤسسات دون حجج واضحة، فإن أثرها لا يصيب الأشخاص فقط، بل يطال المشهد الإعلامي برمته.

هذا، ويبقى لجوء اللجنة المؤقتة إلى القضاء خطوة طبيعية، لا رداً انفعالياً، تهدف إلى حماية مهنيتها وسمعتها، وللدفاع عن هيبة مؤسسات الدولة وقواعد الممارسة الصحفية السليمة. فالديمقراطية لا تُبنى بخطابات التحريض ولا بادعاءات المظلومية، بل بترسيخ ثقافة المحاسبة، واحترام الحقيقة، وصون كرامة الأشخاص، والالتزام بقيم المهنة.

 

إعلان gardenspacenouaceur

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى