
السفير 24
تعيش جامعة القاضي عياض بمراكش على وقع عاصفة أكاديمية غير مسبوقة، بعد انكشاف معطيات صادمة تفيد بحصول مستشارة في ديوان وزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، فاطمة الزهراء المنصوري، على شهادة الدكتوراه في ظرفٍ لا يتعدى سنتين فقط، في وقت تنص فيه القوانين التنظيمية على مدة دنيا لا تقل عن ستة وثلاثين شهراً.
القضية التي تفجّرت أخيراً داخل الأوساط الجامعية، تكشف عن شبهة استغلال للنفوذ الحزبي والإداري في تمرير أطروحة علمية خارج الضوابط المعمول بها، ما جعلها تتجاوز طابعها الأكاديمي إلى ملف يمسّ مصداقية منظومة التعليم العالي برمتها.
وحسب مصادر “السفير 24” فالمعنية بالأمر ليست مجرد طالبة باحثة، بل تشغل موقعاً حساساً داخل ديوان الوزيرة المنصوري، التي تجمع بين مسؤوليتين سياسيتين بارزتين كوزيرة في الحكومة وعمدة لمدينة مراكش.
كما أكدت المصادر، أن عملية التسجيل والمناقشة تمت في فترة كانت تخضع فيها الجامعة لإشراف الوزير السابق عبد اللطيف الميراوي، حيث سُجّلت الطالبة في وحدة دكتوراه بكلية الآداب والعلوم الإنسانية، قبل أن تُبرمج مناقشتها في ظرف وجيز لا ينسجم مع المساطر البحثية المعقدة ولا مع متطلبات التأطير العلمي الجاد.
وتشير نفس المصادر إلى أن العميد الحالي للكلية وافق على المناقشة رغم غياب الحد الأدنى من الشروط القانونية، في خطوة وصفتها أطراف جامعية بـ«التساهل غير المبرر» الذي يطرح أسئلة عميقة حول استقلالية القرار الأكاديمي.
المثير في القضية أن اللجان العلمية التي يفترض أن تضمن صرامة المعايير البحثية التزمت الصمت، ما غذّى الشكوك حول وجود تدخلات نافذة من خارج الإطار الأكاديمي. ويذهب بعض الأساتذة إلى أن هذه الحالة ليست سوى انعكاس لمنظومة أوسع، تتقاطع فيها المصالح السياسية والإدارية داخل الجامعة، مما يُفرغ البحث العلمي من جوهره القيمي ويحوّله إلى وسيلة لتلميع الصور أو تعزيز المواقع الحزبية.
ويرى متتبعون أن هذه الواقعة تضع وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، عز الدين الميداوي، أمام اختبار صعب في بداية ولايته، إذ لم يعد مقبولاً تجاهل مثل هذه الانزلاقات التي تضرب في العمق مبدأ تكافؤ الفرص. فالمطلوب اليوم ليس فقط التحقيق في حالة معزولة، بل فتح نقاش وطني حول أخلاقيات البحث العلمي وآليات المراقبة الجامعية، بما يضمن الحد من توظيف الشهادات العليا لأغراض سياسية أو مصلحية.
كما يؤكد باحثون أن هذه الفضيحة تُعيد إلى الواجهة إشكالية الحوكمة داخل الجامعات المغربية، حيث أضحت بعض الكليات بيئة خصبة لتقاطع الولاءات بدل ترسيخ قيم الجدارة والاستحقاق. فحين تتحول شهادة الدكتوراه إلى مكسب إداري أكثر منها ثمرة بحث علمي، تصبح الجامعة مهددة بفقدان دورها كفاعل في إنتاج المعرفة والتنمية.
إن القضية، في جوهرها، ليست مجرد تجاوز مسطري، بل إنذار أكاديمي وأخلاقي يدق ناقوس الخطر داخل التعليم العالي المغربي. فالمسؤولية اليوم تقع على الوزارة في إثبات أن الجامعة ليست رهينة للنفوذ، وأن الكفاءة لا يمكن أن تُختزل في الانتماء الحزبي أو القرب من مراكز القرار.
وفي انتظار خطوة رسمية واضحة من الوزير الميداوي، يبقى الشارع الجامعي مترقباً لما ستؤول إليه التحقيقات المحتملة، بين أملٍ في استعادة هيبة الشهادة الجامعية، وخشيةٍ من أن تُطوى الصفحة كما طُويت ملفات مشابهة في الماضي، دون محاسبة ولا إصلاح حقيقي.



