
السفير 24
منذ لحظة تعيينه، كان واضحاً أن عز الدين ميداوي لا يحمل مشروع إصلاح ولا رؤية استراتيجية، بل جاء محمّلاً بأجندة حزبية ضيقة لا همّ لها سوى تصفية تركة سلفه عبد اللطيف ميراوي وإعادة توزيع النفوذ في مؤسسات التعليم العالي.
لقد تحوّل الوزير إلى مهندس لـ”مخطط الولاءات”، حيث لم يعد معيار الكفاءة أو النزاهة أساس التعيينات، بل الانتماء والولاء الحزبي والشخصي.
ولعل حالة رئيس جامعة ابن زهر بأكادير تختصر هذا النهج الانحرافي، قرار مبني على المحاباة أكثر مما يستند إلى مؤشرات علمية أو أكاديمية، والأسوأ من ذلك أن الوزير أعاد إلى الواجهة أسماء سبق إبعادها بسبب سوء التدبير المالي وشبهات خطيرة، مثل المدير الحالي للمدرسة العليا للأساتذة بمكناس، في خطوة لا يمكن وصفها إلا بالعبثية والاستهتار بمبادئ الحكامة الجيدة.
ما يجري اليوم تحت قيادة ميداوي هو أكبر عملية تفكيك للجامعة المغربية منذ عقود. بدل أن ينشغل ببناء جامعة قوية ومستقلة، يُسارع الوزير إلى تفريغها من روحها العمومية، ممهداً الطريق نحو الخوصصة المقنّعة، عبر سياسات تضعف البنية التحتية، وتقصي الكفاءات، وتزرع الشك داخل مجتمع الجامعة. إنه مشروع خطير يهدد حق أبناء الشعب في تعليم مجاني وجامعة مستقلة.
لكن المفارقة الكبرى أن إخفاقات الوزير ووهن سياساته سرعان ما ارتدت عليه. فقد نجح – دون أن يقصد – في توحيد النقابة الوطنية للتعليم العالي، والمركزيات النقابية، والاتحاد الوطني لطلبة المغرب، إلى جانب تنظيمات طلابية مختلفة، في جبهة واحدة غير مسبوقة. جميعها اليوم ترى في الوزير خصماً مشتركاً وخطراً محدقاً باستقلالية الجامعة وبمبدأ مجانية التعليم.
إن ما يفعله ميداوي ليس مجرد ارتباك في التسيير، بل هو انحراف ممنهج يقود التعليم العالي نحو الهاوية. وأمام هذا العبث، لم يعد الصمت ممكناً. فالأمر لم يعد يتعلق فقط بقرارات خاطئة، بل بمصير أجيال وبهوية جامعة وطنية تقاوم منذ عقود لتبقى منبراً للعلم والمعرفة، لا مزرعة لتوزيع الغنائم الحزبية.
إن ساعة الحساب قد اقتربت. وعلى الوزير ومن يسبح في فلكه أن يدركوا أن الجامعة المغربية ليست ورقة انتخابية، وليست غنيمة حزبية. فالتاريخ لا يرحم، والجامعة العمومية لن تسقط، لأن فيها أساتذة وطلبة ونقابيين يحملون على عاتقهم مسؤولية حمايتها من كل محاولات التبخيس والارتداد.



