
السفير 24
تعيش الأوساط الصحافية والسياسية المغربية، منذ أواخر شهر غشت الجاري، على وقع جدل واسع أثارته جريدة “لوموند” الفرنسية، عقب شروعها بتاريخ 26 غشت 2025، في نشر سلسلة مقالات تزعم أنها “تحقيق استقصائي” حول الوضع السياسي والمؤسساتي في المغرب، على شكل ستة أجزاء متتالية. غير أن محتوى هذه السلسلة سرعان ما قوبل باستنكار كبير من طرف فاعلين إعلاميين ومؤسساتيين داخل المغرب، بسبب ما اعتُبر خرقًا صارخًا لقواعد المهنة الصحافية وأخلاقياتها، خصوصًا ما تعلق بمصداقية المصادر، ومنهجية العمل، والنية خلف النشر.
وفي هذا السياق، توصل موقع “السفير 24” بنسخة من بلاغ صادر عن اللجنة المؤقتة لتسيير شؤون قطاع الصحافة والنشر، التي تابعت عن كثب مضامين السلسلة التي نشرتها “لوموند”، حيث خلصت اللجنة، بعد دراسة دقيقة ومعمقة لمحتوى المقالات المنشورة، إلى تسجيل عدة خروقات مهنية وأخلاقية خطيرة، تسيء إلى صورة العمل الصحافي الرصين، وتتناقض بشكل واضح مع مواثيق الشرف الدولية، ومع ميثاق شرف جمعية المحررين التابعة لجريدة لوموند نفسها.
وحسب البلاغ ذاته، فإن اللجنة تسجل أن الغالبية الساحقة من مصادر الجريدة الفرنسية كانت مجهولة الهوية، وغير موثوقة، حيث وردت على ألسنة من وصفتهم الصحيفة بـ”ديبلوماسي غربي”، و”عارف بخبايا القصر”، و”مقرب من الدائرة الأولى”، دون تقديم أسماء أو دلائل تثبت مصداقيتهم، في تجاهل تام للبند الثالث من ميثاق شرف جمعية المحررين، الذي ينص على أن “نشر المعلومات يجب أن يكون من مصادر معروفة أو مشفوعة بالتحفظات اللازمة عند الضرورة”.
وتابع البلاغ أن ما زاد من تعقيد الوضع هو استعمال الجريدة لبعض الشهادات الضعيفة وغير الموثوقة، تعود لصحافيين سابقين أو مستقلين لا علاقة لهم بالدوائر السياسية أو المؤسساتية المغربية، واعتمدت على ما وصفته اللجنة بـ”كلام مقاهي”، يفتقد لأي قيمة مهنية أو تحليل مؤسس على معطيات دقيقة. ومن أبرز هذه الأمثلة، حسب اللجنة، اعتماد لوموند على صحافي بريطاني عمل مراسلًا حرًا بالمغرب قبل سنوات، دون أي صفة رسمية، وعُرف بأخطاء مهنية أثارت السخرية حينها، ليتحول فجأة، في تحقيق الجريدة، إلى “خبير بخبايا المغرب”.
وفي السياق ذاته، يؤكد البلاغ أن الإفراط في الاعتماد على مصادر مجهولة وغير قابلة للتحقق، وانعدام الوثائق أو الشهادات الموثقة، جعل السلسلة المنشورة أقرب إلى “السرد القصصي الانطباعي”، منه إلى تحقيق صحفي بالمعايير المعمول بها دوليًا. وقد أشارت اللجنة إلى استعمال الجريدة عبارات من قبيل: “في الرباط والدار البيضاء، يهمس البعض…”، ما يعكس – حسب ذات البلاغ – رغبة واضحة في تضخيم الواقع، وتوجيه القارئ نحو استنتاجات سلبية ومتحيزة، دون تقديم أدلة ملموسة أو قرائن دامغة.
ومن جهة أخرى، عبّرت اللجنة عن رفضها القاطع لما اعتبرته تشهيرًا وتحليلات نفسية متخيلة ومسًا بالحياة الخاصة لبعض الشخصيات العامة، خصوصًا ما يتعلق بادعاءات حول “الوضع الصحي” دون أساس علمي أو قانوني، وهو ما يخالف أخلاقيات النشر، والبند التاسع من ميثاق شرف جمعية محرري الجريدة ذاتها، الذي يمنع التشهير والافتراء والاتهامات التي لا تستند إلى وقائع مؤكدة.
واختتمت اللجنة بلاغها بالتأكيد على أن الصحافة، وإن كانت تقوم على حرية التعبير والحق في الوصول إلى المعلومة، فهي في المقابل تخضع لـ ضوابط مهنية صارمة، تقوم على التحقق من المصادر، وتعدد الروايات، واستقلالية التناول، واحترام الخصوصية والمعطيات الدقيقة، وهي أمور غابت كليًا – حسب تعبير البلاغ – عن سلسلة “لوموند”.
كما دعت اللجنة المؤقتة لتسيير شؤون قطاع الصحافة والنشر، في ختام بلاغها، جمعية محرري جريدة لوموند، بصفتها الهيئة الساهرة على احترام أخلاقيات المهنة داخل المؤسسة، إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة لتصحيح هذه التجاوزات الصريحة، واستعادة ثقة القارئ في العمل الصحافي الجاد والمهني، بعيدا عن الإثارة والتأويلات الذاتية التي لا تخدم لا الصحافة ولا الرأي العام الدولي.



