
السفير 24
أثار القرار الوزاري الأخير المتعلق بتنظيم الولوج إلى سلك الماستر في الجامعات المغربية نقاشًا حادًا داخل الأوساط الأكاديمية، إذ تجاوز الحوار مجرد قراءة النصوص القانونية إلى استكشاف أثر هذا القرار على العدالة الأكاديمية ومستقبل آلاف الطلبة. برغم الطموح الظاهر في الإصلاح، جاء القرار متسرعًا في التنفيذ، دون وضع آليات واضحة لضمان تكافؤ الفرص، ما يطرح إشكالات جدية على مستوى النزاهة العلمية وشفافية الانتقاء.
يكشف الواقع الميداني عن تفاوت صارخ بين الجامعات؛ فبعض المؤسسات تعتمد معايير صارمة في تحضير وتصحيح الامتحانات، بينما تكتفي مؤسسات أخرى بمستوى مرن يتيح للطلبة تحصيل معدلات مرتفعة بسهولة، وهو ما يولد اختلالًا أوليًا في العدالة ويضعف الثقة في الشهادات الجامعية. بهذا المعنى، لا تكفي القرارات الوزارية وحدها لتعويض غياب استراتيجية موحدة لمعايير الانتقاء، ويصبح تنفيذ القانون الجديد رهينًا بالممارسات المحلية التي تختلف بشكل كبير بين كلية وأخرى.
ولا يمكن إغفال أثر الظروف الاستثنائية لجائحة كورونا، حيث أُجريت الامتحانات عن بعد على منصات إلكترونية غالبًا ما شابها ضعف الرقابة، مما منح بعض الطلبة معدلات مرتفعة لا تعكس قدراتهم العلمية الفعلية. هذا الواقع يخلق شعورًا بعدم الإنصاف لدى الطلبة الذين اجتازوا امتحانات حضورية أكثر صرامة، ويزيد من تعقيد مهمة لجان الانتقاء التي تواجه تحديًا مزدوجًا: ضمان العدالة بين أفواج مختلفة، ومعالجة الضغوط المؤسساتية لتطبيق القانون الجديد.
وتتفاقم الإشكالية مع لجوء بعض الطلبة إلى التسجيل المتزامن في عدة ماسترات لضمان مقعد، فيما ينسحب آخرون لاحقًا تاركين مقاعد شاغرة كان يمكن أن يستفيد منها غيرهم. هذا الواقع يعكس ضعف التنسيق بين الجامعات، ويبرز الحاجة الملحة لآليات فعّالة لضبط التسجيلات وضمان حق المنافسة العادلة. علاوة على ذلك، تثير ممارسات مخالفة، مثل التلاعب ببيانات النقط للطلبة الوافدين من خارج الجهة، شكوكًا حول نزاهة الانتقاء ومصداقية الجامعات المغربية.
من زاوية نقدية، يظهر أن قرار الوزير عز الدين ميداوي، وإن حمل نوايا إصلاحية، لم يرافقه تصور متكامل للماستر في المغرب، ولم يوفر حلولاً عملية لتوحيد المعايير أو ضمان العدالة المالية والاجتماعية. فالماستر المتخصص أو المؤدى عنه غالبًا ما يبقى متاحًا لفئة قليلة من الطلبة ذوي الإمكانيات المادية، في حين تُحرَم شرائح واسعة، خصوصًا الموظفون وذوو الدخل المحدود، من فرصة الولوج. هذا الوضع يضع الجامعات في مواجهة مباشرة مع الطلبة ويثقل كاهل الأساتذة ورؤساء المؤسسات الذين أصبحوا ملزمين بتنفيذ القانون، بينما التعويض لا يوازي حجم المسؤولية الملقاة على عاتقهم، ما يهدد جودة التعليم والتكوين.
وفي هذا السياق، تتابع جريدة “السفير 24” هذا الجدل بشكل مستمر، مع الالتزام بمواكبة كل صغيرة وكبيرة، ونقل المعلومة بشفافية وحياد، دون تستر أو محاباة لأي طرف، مؤكدة دورها كسلطة رابعة تراقب الأحداث وتؤدي رسالتها الإعلامية النبيلة في خدمة الوطن، ونشر الحقائق بما يضمن اطلاع الرأي العام على مجريات الواقع الجامعي.
هذا، ويبقى التحدي الأكبر هو بناء منظومة ماستر متوازنة تراعي العدالة الأكاديمية والاجتماعية، تضمن تكافؤ الفرص، توحد المعايير، وتعزز آليات الرقابة على الانتقاء، مع رفع مستوى التعويضات للأساتذة لضمان جودة التدريس والبحث العلمي. وإلا فإن القرارات المتسرعة ستظل عبئًا إضافيًا على الجامعة المغربية، وسيظل حلم كل طالب في متابعة تكوينه العالي رهينًا بتفاوتات النظام وممارسات المؤسسات المحلية.



