
السفير 24
تشهد المديرية الجهوية لبنك القرض الفلاحي بجهة بني ملال خنيفرة وضعاً إدارياً وتنظيمياً مقلقاً، يعكس مجموعة من التجاوزات والانحرافات التي تؤثر سلباً على جودة الخدمات البنكية، وتسيء لسمعة المؤسسة باعتبارها إحدى الدعائم المالية الموجهة لخدمة العالم القروي وتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
وحسب معطيات توصلت بها “السفير 24″، تتفاقم داخل هذه المؤسسة مظاهر الفوضى الإدارية، وسوء الحكامة، والانزلاقات الأخلاقية، في ظل غياب آليات المراقبة والمساءلة، ما يهدد بترسيخ مناخ من الاحتقان المهني واهتزاز الثقة لدى المرتفقين والمستخدمين على حد سواء.
من أبرز مظاهر الاختلال، يتم تسجيل عمليات تعيين لأشخاص في مواقع المسؤولية دون توفرهم على الكفاءات المهنية أو المؤهلات الأكاديمية اللازمة، في مقابل تهميش واضح للكفاءات المحلية التي راكمت تجارب وخبرات ميدانية معتبرة. وقد انعكس هذا الاختيار غير الرشيد سلباً على الأداء العام للوكالات البنكية بالجهة، وتسبب في تزايد حالات التوتر المهني والتدني الملحوظ في جودة العلاقة مع الزبناء.
وعلى مستوى العلاقة مع المرتفقين، تم التبليغ عن ممارسات تفتقر إلى المهنية والنزاهة، من قبيل تعطيل معالجة ملفات الزبناء بشكل متعمد، لدفعهم إلى الحضور الشخصي، وخلق بيئة غير رسمية تفتح المجال لممارسات تضليلية وضغوط نفسية، يُخشى أن تكون أرضية خصبة لسلوكيات قد ترقى إلى مستوى الابتزاز والفساد.
أما على مستوى القيادة الجهوية، فتشير نفس المصادر إلى افتقار المدير الجهوي للكفاءة القيادية، وعدم قدرته على اتخاذ قرارات مستقلة، واعتماده على دائرة ضيقة من المحيطين به، في تغييب تام للمقاربة التشاركية والتخطيط الاستراتيجي، وهو ما عمق أزمة التسيير وعمّق الهوة بين الإدارة الجهوية وباقي مصالح البنك.
ويتعمق هذا الوضع المأزوم من خلال تبني مؤشرات وهمية لتقييم الأداء، حيث يتم أحياناً تهنئة بعض الوكالات بناء على نتائج مُضخّمة، تم تحقيقها عبر إجبار الزبناء على اقتناء خدمات بنكية إضافية (مثل التأمينات والباقات) حتى في حالات الحسابات الراكدة أو المدينة، مما يطرح تساؤلات جدية حول مصداقية المؤشرات المعتمدة في تقييم النجاعة البنكية.
وتزداد خطورة الوضع حين يتم تسجيل انزلاقات أخلاقية خطيرة، من بينها تورط المدير الجهوي (حسب ذات المصادر) في مزاعم موثقة تتعلق بالتحرش الجنسي، سواء في شكل مباشر أو ضمني، تجاه عدد من الموظفات، مدعومة بشهادات ووثائق، لم يتم البت فيها بشكل مؤسساتي، ما يعكس خللاً في منظومة المحاسبة الداخلية، ويعرض المؤسسة لمخاطر قانونية وأخلاقية جسيمة.
وفي سياق موازٍ، تم رصد تدخل مباشر للمدير العام للموارد البشرية في تعيين المدير الجهوي الحالي، بناءً على روابط محلية وشخصية، في تجاهل صريح لمبدأ تكافؤ الفرص، وتجاوزٍ للمعايير المهنية المطلوبة في اختيار المسؤولين، وهي الممارسات التي تقوض الثقة في آليات التوظيف والتعيين داخل المؤسسة.
كما أن العلاقة بين الإدارة المركزية للبنك وهذه الجهة تعرف فتوراً ملحوظاً، ويعكس ذلك غياب الزيارات الميدانية للرئيس المدير العام، الذي يُشار إلى أن له خلفية خلافية مع الفاعلين الفلاحيين بالمنطقة خلال فترة سابقة، وهو ما يعزز فرضية التهميش المؤسساتي الذي تعاني منه الجهة، في ظل الحاجة إلى تدخل استراتيجي لدعم الفلاحين وتعزيز الشمول المالي.
على المستوى التدبيري، تشير المعطيات إلى وجود خروقات واضحة في احترام التسلسل الإداري، من خلال اتخاذ قرارات انتقال وتعيينات دون احترام المساطر التنظيمية أو استشارة المسؤولين المباشرين، بما في ذلك ترقية عناصر مقربة إلى مناصب حساسة، من دون اعتبار للكفاءة أو الخبرة، بما يشكل سابقة خطيرة تمس بمبدأ العدالة الإدارية.
ويُسجل كذلك اعتماد المدير الجهوي على أسلوب التهديد والترهيب في تعامله مع الموظفين والأطر، خاصة خلال الاجتماعات الداخلية، مما أسفر عن تدهور كبير في مناخ العمل، وتراجع الروح المعنوية، وتسجيل حالات نفسية متأزمة في صفوف المستخدمين، وهو ما يُعد مؤشراً مقلقاً على غياب بيئة العمل الصحية والآمنة.
ولم تسلم الشفافية المالية من هذه التجاوزات، حيث تم توثيق حالات تدبير تضارب مصالح داخل بعض الوكالات، مثل استعمال النفوذ لتدبير حسابات شخصية لعلاقات خاصة من داخل الوكالة البنكية، ما يشكل انتهاكاً واضحاً لقواعد أخلاقيات المهنة، ويقتضي فتح تحقيق فوري من الجهات الوصية.
إن استمرار هذه الوضعية المختلة، في غياب تدخل حازم من الإدارة المركزية أو السلطات الرقابية، من شأنه أن يؤدي إلى فقدان المؤسسة لدورها الأساسي في دعم التنمية القروية والاقتصاد الاجتماعي، ويفتح الباب أمام أزمات ثقة داخلية وخارجية، تقوض رصيد البنك وتضعف علاقته بمرتفقيه ومحيطه الاجتماعي.
وفي هذا السياق، توجه أصوات داخلية نداءً صريحاً إلى كل من رئاسة الحكومة، بنك المغرب، وزارة الفلاحة، وديوان المظالم، من أجل فتح تحقيق نزيه وشامل في هذه التجاوزات، وترتيب المسؤوليات، وضمان عودة الثقة والشفافية إلى دواليب المؤسسة. كما تؤكد هذه الأصوات على ضرورة التفاعل الإيجابي مع التوجيهات الملكية السامية المتعلقة بالإدارة العمومية الجيدة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وصون كرامة الموظفين، وحماية المال العام.
“هذا، ويُعدّ القرض الفلاحي مؤسسة عمومية لا خاصة، فهو ملك لجميع المغاربة، ويجب أن يظل نموذجاً في النزاهة، والحكامة، والانخراط الفعلي في خدمة التنمية. ولا ينبغي أن يُترك رهينةً لممارسات غير مسؤولة أو حسابات ضيقة تمس جوهر رسالته ومكانته كمؤسسة وطنية استراتيجية.”



