في الواجهةمجتمع

اختلالات تدبيرية وهيكلية تضرب مبدأ الحكامة في كليات الاستقطاب المفتوح

اختلالات تدبيرية وهيكلية تضرب مبدأ الحكامة في كليات الاستقطاب المفتوح

le patrice

السفير 24

تُعدّ كليات الاستقطاب المفتوح ركيزة أساسية في منظومة التعليم العالي المغربي، بالنظر إلى حجم الطلبة الذين تحتضنهم، وما يُفترض أن تلعبه من أدوار استراتيجية في تأهيل الموارد البشرية وتكوين النخب المستقبلية.

ورغم أن بعض هذه الكليات تُعلن عن استقبالها لما يزيد عن 30 ألف طالب بشكل رسمي ، إلا أن العدد الفعلي للطلبة المسجلين والمتابعين للدراسة لا يتجاوز 16 ألفًا فقط. هذا التباين الواضح بين الأرقام الرسمية والممارسة الفعلية يعكس اختلالات بنيوية عميقة تهدد مبدأي الشفافية والحكامة الجيدة في إدارة المرفق العمومي الجامعي.

ولعل أولى مظاهر هذه الاختلالات تتجلى في التناقضات المسجلة على مستوى صرف الميزانيات، خاصة تلك المخصصة لمستلزمات الامتحانات التي باتت تُقدّر بأرقام خيالية، دون مبررات تقنية أو بيداغوجية واضحة. هذه الوضعية فتحت الباب أمام شبهة استغلال النفوذ من طرف بعض المسؤولين الإداريين، الذين راكموا ثروات مشبوهة بطرق ملتوية، في غياب آليات مراقبة ومحاسبة ناجعة، وفي ظل صمت مؤسساتي لا يُمكن تبريره.

أما الشق المرتبط بالوسائل البيداغوجية، وتحديدًا الوسائل المعلوماتية، فقد تحوّل بدوره إلى مرتع للصفقات المشبوهة التي تتم، حسب شهادات وتقارير غير رسمية، في إطار تواطؤ مكشوف بين بعض العمداء وشركات توريد تجهيزات إلكترونية، مقابل امتيازات شخصية، قد تكون في شكل عائدات مالية أو هدايا عينية كالحواسيب المحمولة والهواتف الذكية الباهظة الثمن.

وهذا السلوك لا يُعبّر فقط عن خرق للقانون، بل يُمثّل انحرافًا عن الدور الجوهري للمسؤول الجامعي، الذي يُفترض أن يكون مؤطّرًا تربويًا وأكاديميًا، لا طرفًا في صفقات تُفقد المؤسسة مصداقيتها.

ولعل الخطير في هذا الوضع، أن عددًا من العمداء والمسؤولين، بمجرد توليهم مناصبهم، يتصرفون كما لو أن الكلية ضيعة شخصية، وليست مؤسسة عمومية تخضع لقواعد الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة، بل يتناسون أن ميزانيات الكليات تُموّل من المال العام، وأن مخرجاتها تهم مستقبل أمة بأكملها، وليست رهينة مصالح فردية أو شبكات غير مؤسساتية.

وفي ظل هذه الوضعية المقلقة، يُثمّن المتابعون خطوة عزالدين ميداوي، وزير التعليم العالي، الأخيرة، المتمثلة في إعفاء عدد من رؤساء الجامعات الذين ارتبطت أسماؤهم بتقارير تقييمية سلبية، في انتظار توسيع دائرة المساءلة لتشمل مؤسسات جامعية أخرى، تستوجب وضعها تحت المجهر، وتتبع سلوكها المالي والبيداغوجي بدقة.

هذا الواقع يفرض، أكثر من أي وقت مضى، ضرورة القطع مع ممارسات التسيب الإداري والريع المؤسساتي داخل الكليات ذات الاستقطاب المفتوح، عبر تفعيل آليات المساءلة، وتطبيق القوانين التنظيمية الجاري بها العمل، وفي مقدمتها القانون 01.00 المتعلق بتنظيم التعليم العالي، الذي ينص في مادته 20 على ضرورة احترام مبادئ الشفافية، والحكامة، والتدبير المالي المسؤول من طرف رؤساء المؤسسات الجامعية.

فلا يمكن لمؤسسة التعليم العالي أن تؤدي وظيفتها الأكاديمية والمجتمعية في ظل تغوّل بعض العمداء الذين يستغلون مناصبهم لتكريس منطق الزبونية وتفويت الصفقات في ظروف تفتقر إلى النزاهة والوضوح. وبالتالي، فإن تحصين الجامعة يمرّ بالضرورة عبر مواجهة هذه الانحرافات بصرامة قانونية، واستعادة الثقة في المؤسسة العمومية، باعتبارها ركيزة من ركائز التنمية وبناء دولة المؤسسات.

هذا، وستعمل جريدة “السفير 24” في مقالات قادمة، على كشف الحقائق بالأدلة الموثقة، والتطرق بالأسماء والصفات إلى بعض عمداء الكليات الذين تغولوا في مناصبهم، وتحولوا إلى أثرياء بفضل ممارسات مشبوهة تتنافى مع أخلاقيات المرفق العمومي، وتتناقض مع القوانين المؤطرة لمنظومة التعليم العالي. وهي خروقات تستوجب المساءلة القانونية والإدارية، ليس فقط من أجل وقف هذا النزيف، بل أيضًا لترسيخ ثقافة المحاسبة، ووضع حدّ لمن يعتبر الكلية ضيعة خاصة خارجة عن رقابة الدولة والمؤسسات الدستورية.

يتبع… 

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى