في الواجهةكتاب السفير

سيجارة مشرد مغربي تشعل نيران اليمين المتطرف في فرنسا

سيجارة مشرد مغربي تشعل نيران اليمين المتطرف في فرنسا

le patrice

السفير 24 – جمال اشبابي – باريس

في قلب باريس، حيث تشتعل شعلة الجندي المجهول منذ أكثر من مئة عام لتذكر الفرنسيين بتضحيات من قضوا في سبيل “الوطن”، وقفت يد مغربية متعبة، مشروخة من تعب الشوارع الباردة، لتشعل سيجارة. يد أنهكها التهميش، لا الغطرسة. لحظة واحدة، لا تتجاوز الثواني، كانت كافية لتحول رجلا منسيا إلى “خصم رمزي للأمة الفرنسية”، وتفتح بابا واسعا للغضب السياسي والإعلامي، وتعرضه للترحيل من بلد أقام فيه بشكل قانوني.
شخص لم تفصح السلطات عن اسمه الكامل، لم يكن مجرما محترفا، ولا إرهابيا يهدد أمن الدولة، بل إنسان بلا مأوى، يعاني – وفق ما أوردته عدة تقارير صحفية فرنسية – من اضطرابات نفسية وسجل عدلي ثقيل ناتج عن تهم تتعلق بالإزعاج والعنف في الأماكن العامة. موقع cnews في تقريره المنشور بتاريخ 5 غشت الجاري، أشار إلى أن المعني بالأمر يبلغ من العمر 47 عاما، ويعيش دون مأوى، ومعروف لدى السلطات الأمنية بتسجيلات عدلية سابقة تجاوزت العشرين، تتنوع بين عنف، سكر علني، وإهانات متكررة للموظفين. كما أكدت صحيفة le journal du dimanche في تقريرها الصادر في 6 غشت، أن الرجل يعاني من هشاشة نفسية مزمنة، ولم يخضع إلى أي متابعة طبية أو اجتماعية منظمة رغم حالته المعروفة لدى أجهزة الدولة.
فور انتشار الفيديو الذي التقطته سائحة ونشر على تطبيق تيك توك، ظهرت التعبئة الرسمية على الفور. تم توقيف الرجل وفتح تحقيق قضائي ضده، مع قرار إداري عاجل بسحب بطاقة الإقامة التي كانت سارية حتى أكتوبر المقبل، في خطوة فسرت بأنها تأديبية أكثر منها قانونية.
السلطات الفرنسية، وفي مقدمتها وزير الداخلية برونو ريتايو، لم تتردد في وصف الفعل بـ “الدنيء والمرفوض”، بينما رأت وزارة الذاكرة أن ما حصل يعد إهانة مباشرة لرمزية تمثل وحدة الأمة وتضحياتها. أما سياسيو اليمين المتطرف، فاستغلوا الواقعة كأرض خصبة لتأجيج الخطاب الهوياتي؛ فقد صرح ماتيو فاليه، النائب عن حزب التجمع الوطني، أن “فرنسا ليست مرحاضا للوقاحة”، مطالبا بطرد الرجل فورا دون أي اعتبار.
بالمقابل، لم يغب صوت اليسار عن المشهد. ناتالي أرتو، مرشحة حركة “النضال العمالي”، سخرت من ردود الفعل المبالغ فيها قائلة: “قد يكون الجندي المجهول نفسه مغربيا، أليس من الممكن أن يكون ممن قاتلوا في صفوف فرنسا الاستعمارية؟”، في تلميح إلى نفاق الدولة حين تستدعي الرمزية للانتقام، وتتجاهلها عندما يطلب منها الاعتراف بتاريخها الاستعماري وتضحيات جنود المستعمرات.
ومع تصاعد أرقام الترحيل خلال عام 2024، حيث تم ترحيل 1658 مغربيا من فرنسا – بزيادة تجاوزت 50 في المئة مقارنة بسنة 2023 – فإن قرار طرد رجل بلا مأوى، يعاني من هشاشة نفسية واجتماعية، لا يمكن فصله عن هذا السياق العام الذي تحكمه المقاربة الأمنية والرمزية بدل النظرة الإنسانية.
يبقى السؤال الأهم: هل الفعل، مهما بدا استفزازيا، يبرر سحب إقامة إنسان يعيش في الشارع، يترنح بين البرد واللاجدوى، يبحث عن شرارة نار ليدفئ بها عزلته؟ وهل يستقيم أن يكون الرد على فعل فردي في لحظة تيه هو إقصاؤه من البلاد، بدلا من التحقق من حالته العقلية، أو دراسة ملفه الإنساني؟
فأين الإنسان في هذا كله؟ أين التقارير الطبية؟ أين العناية النفسية؟ هل جرد هذا الرجل من إنسانيته فقط لأنه مس رمزا فرنسيا، أم لأنه لا يملك ظهرا سياسيا يدافع عنه؟ ألا تستحق يد تبحث عن دفء النار فرصة لفهم دوافعها بدلا من طردها نحو الهامش مرة أخرى؟ ما بين الشعلة والشرارة، كان يمكن بناء جسر، لا حريق.
ما جرى عند شعلة الجندي المجهول لم يكن فعلا بسيطا، ولا مجرد “إهانة وطنية”، بل كشف فجوة أخلاقية وقانونية في كيفية تعامل الدولة مع من هم في هوامش المجتمع. لقد تم تحميل الرجل كل تاريخ فرنسا الرمزي، في حين كان هو فقط يبحث عن لحظة دفء مؤقتة في مدينة لا ترحم.
قد أخطأ الرجل، نعم. لكنه لم يكن عدوا. لقد سقط، لا فقط في لحظة الفعل، بل في عجز المجتمع عن احتضانه قبل أن يحتاج إلى شعلة الموت ليشعل بها لحظة من الحياة.
هذه ليست قضية سيجارة، بل قضية كرامة.
كرامة إنسان.

إعلان gardenspacenouaceur

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى