
السفير 24 – حيمري البشير – الدنمارك
كلام ثقيل، لكنه في نفس الوقت صحيح ومؤلم لكل الناس الذين يحملون درجة عالية من الوعي، الذين يحملون قيم الإنسانية، عفوًا القيم الإسلامية، والذين يحسون بمعاناة شريحة واسعة من الشعب المغربي.
كلام ثقيل قاله بطل عاش سنوات طويلة في الغربة، بكرامة خلال كل السنوات التي قضاها في الغربة. تألق في الكيك بوكسينغ وتربع على عرش هذه الرياضة لسنوات، وحصل على ألقاب عالمية، وأسقط منافسيه بالضربة القاضية أكثر من مرة.
لكنه لما عاد إلى بلده بعد سنوات قضاها بالخارج، وأراد أن يجسد قيم الديمقراطية التي عاشها في بلاد العجم، عاش كابوسًا في محيطه الجديد، في وطنه الذي عشقه حتى الثمالة. لقد تآمر عليه لوبي الفساد منذ البداية حتى أسقطوه بالضربة القاضية. بارونات الفساد في مدينته، عندما قرر أن يتحمل مسؤولية تدبير الشأن المحلي بالوجه النقي اللامع المتألق الذي عاشه لسنوات في الهجرة.
تلقى صدمة في المدينة التي ينحدر منها، بعد أن تصدر الانتخابات وترأس المجلس البلدي، وكسب الرهان كرئيس متشبع بالقيم الديمقراطية ويحمل ثقافة سياسية غربية، يؤمن بالإصلاح وبالرقي بالمدينة. كانت الانتخابات في مسقط رأسه قبل أن يهاجر مع عائلته فرصة ليعيش ما تبقى من حياته في مجتمع تسوده العدالة، ويحقق أحلامه بفوزه في الانتخابات البلدية.
لكن لوبي الفساد فاجأه بالتآمر عليه بشتى الوسائل والطرق الدنيئة، حتى لا يكشف حجم الاختلاسات التي حصلت قبله. لقد عبّر بصدق، وبكلام نابع من القلب، عندما قال: “بلادنا طحنها الفساد والسرقة الموصوفة والنهب والطغيان في غياب المحاسبة، وفي غياب الضمير”. رفع صوته مجلجلًا مثل أصوات قليلة، لكنه انهار أمام قوة الفساد، ورفع يده إلى السماء.
لقد فشل في رسم سياسة جديدة في بلد أحبه، وقدم الكثير من أجله. ليس وحده، لقد ارتفعت أصوات في البرلمان، بالأمس فقط، وبصوت عال، طالبت النيابة العامة أن تتحمل مسؤوليتها في محاسبة الفاسدين الناهبين للمال العام، وهي مسؤولية جسيمة يجب أن يتحملها جهاز القضاء.
ويعقد الشرفاء الأحرار داخل الوطن وخارجه آمالًا على أن تتحمل العدالة المغربية مسؤوليتها في محاسبة ناهبي المال العام. إن أصواتًا كثيرة، حرة وغيورة، ارتفعت مطالبة بوقف ما يجري في بلادنا من نهب واختلاسات مالية وتهريب الأموال للخارج، وعلى الجميع تحمل المسؤولية، وفتح تحقيق فيما يقع، خصوصًا وأن نوابًا في البرلمان المغربي التزموا بتقديم كل الأدلة والبراهين التي تؤكد حجم الاختلاسات التي وقعت في العديد من القطاعات.
نتساءل: من يحمي بارونات الفساد من المحاسبة واسترجاع الأموال المنهوبة؟ ونتساءل كذلك: لماذا يتعرض الصحفيون ورجال الإعلام للتضييق والتهديد بالمتابعة القضائية والاعتقال؟
ماذا ننتظر من جهاز قضائي يتحمل المسؤولية فيه قضاة شواهدهم مزورة؟ إن الأزمة التي يعيشها المغرب بتوالي الفضائح، وتورط العديد من المسؤولين في الفساد وفي التزوير، ودخول الوظيفة العمومية في مختلف القطاعات، وبالخصوص في جهاز القضاء، عن طريق شواهد مزورة، يتطلب تطهير الإدارة المغربية، والقيام بجرد لكل الذين استفادوا من الشواهد مقابل المال، وحصلوا على وظائف في مختلف الأسلاك بشواهد اشتروها بالمال.
إننا جميعًا يجب أن نتحمل مسؤولياتنا لوقف هذا العبث، وتطهير الإدارة المغربية من بؤر الفساد. ومن أراد الرقي بهذا المجتمع، فعلينا جميعًا أن نتحمل المسؤولية لفضح المفسدين ومحاكمتهم محاكمة عادلة لا يشرف عليها قضاة حصلوا على وظائف بشواهد مزورة.
إن ما يجري في بلادنا من نقاش مسؤول يتطلب متابعة من أعلى سلطة في بلادنا. إن الضمائر الحية التي ترفع صوتها لفضح الفساد يجب تلبية مطالبها، ومحاسبة الفاسدين والناهبين للمال العام بلا شفقة ولا رحمة.
علينا جميعًا أن نبذل مجهودًا حتى يسترجع المواطن المغربي ثقته في أجهزة الدولة المغربية. إن الأصوات التي ارتفعت في البرلمان وفضحت الفساد بالأدلة يجب الاستماع إليها وفتح ملفات الفاسدين. علينا جميعًا أن نضع أيدينا في أيدي بعض، ونفضح مسلسل الفساد ونقطع دابر المفسدين.
هذه رسالة موجهة للجهات العليا في البلاد، لأن لا أحد قادر على تصحيح الوضع في بلادنا إلا السلطات العليا. وفي انتظار تلبية مطالب الأصوات التي ارتفعت في البرلمان، والصحفيين الذين فضحوا بؤر الفساد في المغرب، نواصل فضح مسلسل الفساد الذي أنهك الاقتصاد المغربي وأساء لصورة المغرب بالخارج.



