
السفير 24 – بقلم – عبد اللطيف الباز
في وقت تتكاثر فيه الضوضاء وتغيب فيه القيم النبيلة خلف التفاصيل اليومية، يبرز اسم القاضي عمر الحيلولي، رئيس المحكمة الابتدائية بالفقيه بن صالح، كواحد من الوجوه القضائية التي تجمع بين صرامة المسؤولية ورقّة الإنسانية، وبين قوة المنصب وتواضع السلوك.
ليس الحيلولي قاضيًا تقليديًا يتخفى وراء الألقاب أو يتعالى بمنصبه، بل هو ابن الواقع المغربي، القادم من قلب العاصمة الاقتصادية، والذي اختار أن يمارس وظيفته القضائية باعتبارها رسالة قبل أن تكون سلطة، واضعًا نصب عينيه كرامة الإنسان ومقاصد العدالة.
في محكمته، لا تُغلق الأبواب أمام المواطنين، ولا يُعامل المتقاضي كملف رقمي، بل كإنسان يحمل قصة وظروفًا تستحق الاستماع والفهم. مكتبه الإداري يشبه مجلسًا للحكماء، حيث يُنصت باحترام، وتُناقش القضايا بروحٍ من المسؤولية والهدوء.
يحرص الحيلولي على التفاعل اليومي مع مختلف الفاعلين في محيط المحكمة، من موظفين ومتقاضين وزملاء، دون أن تغريه السلطة أو تُغيّر ملامح سلوكه. يستقبل الجميع بابتسامته المعهودة، ويتنقّل بين أقسام المحكمة بخطى ثابتة وهيبة هادئة، لا تفرض نفسها بالقوة، بل تُكسب احترامًا صامتًا.
ما يُميز هذا القاضي، حسب شهادات مقربين منه، هو إيمانه بأن القوانين لا تصنع العدالة وحدها، بل إنصاف الناس يتطلب قلبًا عادلًا، وضميرًا نزيهًا، وقدرة على الإنصات الصادق. لذلك، يختار كلماته بعناية، ويُصدر أحكامه بعد تأمل وتقدير، مدفوعًا بالشعور بمسؤولية القرار لا بجفاف النصوص.
داخل المحكمة، يُعرف عمر الحيلولي كمرجع مهني محترم، وكنموذج يُحتذى به من طرف القضاة الجدد. أما في أعين المواطنين، فهو القاضي الذي يمنحهم الأمل في مؤسسات الدولة حين تضيق بهم السبل، ويوفّر لهم ما يشبه “الاحتضان القانوني” في لحظات الشك والقلق.
ورغم كثافة الملفات والمسؤوليات، لا يتعامل معها كأرقام، بل يدرك أن كل ورقة تحمل خلفها حياة إنسان ومصير أسرة، وهو ما يمنحه القدرة على الانخراط المهني والوجداني في آن. لا يحتاج إلى رفع صوته لفرض احترامه، ولا إلى استعراض إنجازاته، فشهادات الرضا التي يخرج بها المواطنون من المحكمة تُغني عن أي دعاية.
إن الحديث عن عمر الحيلولي، ليس مجرد إشادة فردية، بل إقرار صريح بأن القضاء المغربي لا يزال يزخر بنماذج مضيئة تستحق التقدير، وتؤكد أن العدالة ليست حلمًا مؤجلًا، بل واقعًا ممكنًا حين تتولاها شخصيات من طينة هذا القاضي.
في زمن تزداد فيه الحاجة إلى رموز نزيهة، يظل عمر الحيلولي شاهدًا على أن المنصب لا يُعلي من قيمة الإنسان، بل الإنسان هو من يمنح المنصب قيمته.



