في الواجهةمجتمع

توفيق بوعشرين: بين متاهة الضحية المختلَقة وحدود الشرعية القانونية

توفيق بوعشرين: بين متاهة الضحية المختلَقة وحدود الشرعية القانونية

le patrice

السفير 24

منذ تفجر قضيته القضائية سنة 2018، ظل الصحافي توفيق بوعشرين محل جدل عمومي واسع في المغرب، بين من رأى فيه أيقونة لحرية التعبير، ومن اعتبر أن جرائمه الموثقة لا تقبل أي تبرير باسم الصحافة أو النضال الحقوقي.

إلا أن اللافت، وبعد مرور سنوات على محاكمته، هو استمرار المعني بالأمر -رغم العفو الملكي الذي شمله ضمن مبادرة إنسانية في عيد الأضحى 2023، في ممارسة خطاب يحمل نزعة فوقية، تتجاوز مؤسسات الدولة وتشكك في عدالة القضاء والمجتمع معًا.

بوعشرين، الذي تم تمتيعه بعفو ملكي لأسباب إنسانية شملت حالته الصحية، لم يلتقط الرسالة الملكية النبيلة كما التقطها المغاربة كافة: أن العفو لا يعني البراءة، بل يعكس سمو الدولة ومؤسساتها، وقدرتها على طي الملفات بشروطها القانونية والأخلاقية، دون الخضوع للابتزاز الإعلامي أو الحملات التضليلية. ومع ذلك، اختار بوعشرين -عبر قنوات متعددة– أن يعود إلى منطق “المظلومية المؤبدة”، مستعملًا قاموسًا أقرب إلى خطاب المؤامرة منه إلى النقد المسؤول.

يظهر من خلال تصريحاته المتكررة، سواء المبطنة أو المباشرة، أن الرجل يرفض أن يستوعب قواعد دولة المؤسسات: القضاء فصل، والسلطة الملكية قررت العفو ضمن رؤية استراتيجية لا تحتمل المزايدة، فيما يواصل هو –في سلوك متعالٍ على القانون والرأي العام– الإيحاء بأنه “استثنائي”، وأنه ضحية “نظام” لا يريد سماع صوته.

والواقع أن ما يُضعف أطروحته ليس فقط حكم المحكمة، بل شهادات الضحايا، والأدلة الجنائية، والأهم: موقف الرأي العام، الذي تجاوز منذ سنوات فكرة تبرير الاعتداءات الجنسية بذريعة حرية التعبير. فالمجتمع المغربي أصبح أكثر وعيًا بأن لا قداسة لأحد، وأن الصحافة لا تحصّن صاحبها من الحساب.

كما أن محاولة بوعشرين الالتفاف على السياق العام، وإعادة تقديم نفسه كـ”نبي حرية” مضطهد، تصطدم بتاريخه المهني نفسه، الذي لا يخلو من تحالفات ظرفية، وازدواجية في المواقف، وتوظيف المنابر الإعلامية لغايات شخصية ضيقة.

في نهاية المطاف، إن من يريد الحديث باسم الحرية عليه أولًا أن يحترم الدولة التي وفّرت له شروط المحاكمة، وشرّفته بعفو ملكي سامٍ، وأن ينأى بنفسه عن السقوط في مستنقع الغرور السياسي والافتراء الإعلامي.

أما محاولة إعادة كتابة التاريخ وفق أهواء شخصية، فهي ليست فقط غير مجدية، بل تسيء لكرامة الضحايا، ولمفهوم العدالة، ولثقة المواطن في المؤسسات.

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى