في الواجهةكتاب السفير

حقوق الإنسان ومعاناة المواطنين بإقليم بنسليمان -الجزء الرابع

حقوق الإنسان ومعاناة المواطنين بإقليم بنسليمان -الجزء الرابع

REGION CASA SETTAT

السفير 24 – بقلم: ذ. المصطفى ساجد

مع الإقرار بوجود بعض الاستثناءات، فجل العمال الذين تعاقبوا على الإقليم كانوا يتعاملون مع الإقليم كملكية خاصة ومصدرا للاغتناء حيث كانوا يتحكمون في خيراته وثرواته، بمنطق الريع وربط خيراته بالامتيازات والمصالح الشخصية. 

والملاحظ بالجماعات الترابية للإقليم هو أن نهب خيراته وثرواته يتسبب في تفقير المواطنين ودفعهم الى التهافت على الاستفادة من حملات التبرع بالقفة، وبالتالي عوض ضمان حقوق اجتماعية دائمة يتم ربط وجود المواطن بالعمل الخيري والاحساني عوض الحقوقي، الذي يضمن كرامته في إطار سياسة الترقيع الاجتماعي (Bricolage social) وتملص الدولة من أدوارها ومهامها الاجتماعية المنوطة بها.

بما أن الأهداف هي استمرارية احتكار الثروة والسلطة، فتدبير الأمور العامة، على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والحقوقي، يصب نحو التحكم في سقف المطالب حتى تبقى في حدود ما يتم تمويله بالفتات، وترويض فئات واسعة من المواطنين على خضوعهم لما يتم سنه من قوانين وسياسات عمومية. فنلاحظ كيف أن الفئات الهشة تتهافت على دعم أدنى لدخل جد ضئيل ومرتبط بالمؤشرات.

فإقليم بنسليمان يعتبر من بين الأقاليم التي يتهافت مواطنوها على قفف الترقيع الاجتماعي وعلى الاستفادة من دعم مالي لا يكفي حتى لمواجهة مصاريف يوم واحد في ظل غلاء الأسعار وخوصصة القطاعات الاجتماعية وغياب الاستثمارات المنتجة التي تخلق فرص الشغل !!!

وهذا يدل على تهميش هذا الاقليم على مستوى الاستثمارات المنتجة وعلى ضعف الرأسمال البشري بالرجوع الى نسبة الأمية، خاصة بالعالم القروي والى غياب رعاية اجتماعية تحمي كافة المواطنين من الأخطار الاجتماعية.

رغم تعاقب العديد من المجالس الجماعية منذ أول تجربة انتخابية بالمغرب، لا تزال مراكز بعض الجماعات القروية (فضالات، مليلة وسيدي بطاش) تعيش واقعا مأساويا يتجلى في الغياب التام لكل المرافق الاجتماعية بحيث لا وجود لخدمات طبية يستفيد منها المواطن. بالاضافة الى تسجيل عدم استفادة هذه المراكز من البنيات التحتية الضرورية واللازمة.

زد على ذلك معاناة السكان من انعدام قنوات الصرف الصحي، حيث تترك المياه العادمة طافحة أمام البيوت مما يشكل خطرا على صحة السكان ناهيك عن الروائح الخانقة.

كيف يعقل أن تظل الأمور على هذه الحال منذ سنوات الستينيات؟ 

ولماذا تعطى الأولوية لإدارات الضبط بمرافقها وتهميش كل ما هو اجتماعي يخدم مصالح المواطنين؟ دون إغفال أن نسبة البطالة جد مرتفعة في مراكز هذه الجماعة القروية.

لم تعد بوادي إقليم بنسليمان كما هو في السابق، تعرف ذلك التلاحم الاجتماعي وقوة الروابط العائلية والقبلية، بحيث أن الموقع الجغرافي المتميز للإقليم جعله فريسة التهافت على غابته وساحله وعلى وعاءه العقاري وعلى خيراته الباطنية وعلى أراضيه التي تتحول الى مشاريع عقارية تدر الإرباح الطائلة على أصحابها، وخاصة ذوي الامتيازات والتسهيلات، والى ضيعات مسيجة بالأسوار تنبت كالطفيليات والتي لا تخصص للإنتاج الزراعي والفلاحي بل للسكن الثانوي.

ففي ظل سنوات عديدة ومتتالية لظاهرة الجفاف وضعف الإنتاج الزراعي، خاصة وأن هذا الإنتاج يعتمد بالاقليم على الزراعة البورية، كالحبوب والقطاني، التي هي رهينة بالتساقطات المطرية، وفي ظل وضعية اقتصادية واجتماعية جد صعبة، فجل السكان الأصليين للبوادي يضطرون الى الهجرة الى المدن أو الى بيع أراضيهم، خاصة وأن نماذج الاغتناء الفاحش والسريع تعمل على تحريك الإغراءات و تبييض أموالها من خلال شراء الأراضي بالجماعات القروية، وتحويلها الى ضيعات كإقامات ثانوية والى مشاريع عقارية و تجارية وسياحية، هذه المشاريع التي تغير من معالم البوادي ومن مثانة الروابط الاجتماعية والإنسانية والتاريخية لساكنة المناطق القروية. فظاهرة التخلي عن الأراضي الفلاحية وبيعها تمكن بعض النماذج من امتلاك مساحات شاسعة من الأراضي بالاقليم و بالتالي فرض طقوس الهيمنة على الساكنة المجاورة من الفلاحين الصغار الذين، لمواجهة صعوبة العيش بالبوادي، يضطرون الى الهجرة للمدن المجاورة أو إلى بيع قوة عملهم كيد عاملة بالضيعات الفلاحية وبالمشاريع السياحية والتجارية لطبقة الافتراس العقاري التي تستثمر الاموال السهلة في شراء الأراضي بالاقليم.

رغم تطارح مجموعة من الفعاليات الحزبية والنقابية والحقوقية والمنابر الإعلامية لهذا التهميش الاقتصادي والاجتماعي إلا أنها لا تعير اهتماما للمسألة الأمنية بالإقليم وبممارسات رجال السلطة والأمن والدرك، علما بأن السياسة الأمنية هي سياسة عمومية كباقي السياسات الأخرى (رياضة، ثقافة، صحة، تعليم…)، وبالتالي يجب أن تخضع للمراقبة والمحاسبة، والتي كان من المفروض على الفعاليات السياسية والحقوقية والإعلامية أن تحرك آليات المراقبة والتتبع والضغط لإعطاء هذا الجانب الأمني ما يستحقه من اهتمام ضمانا لحقوق المواطن. خاصة عندما يتطلب الأمر التصدي للتجاوزات وكل أشكال الاضطهاد والتعنيف في علاقة المواطن بالأجهزة الأمنية وفي هذا الصدد على مستوى مدينة بنسليمان، فقد نشرت مقالات حول تجاوزات مصالح أمنية.

فلا يمكن للمواطن لوحده أن يكسر ويتصدى لكل أشكال الهيمنة والتسلط في ظل الغياب الطوعي لفعاليات المجتمع الحقوقي والسياسي التي تخلت عن مسؤولياتها وأدوارها في إنتاج سياسة أمنية تصب نحو تحقيق الصالح العام وفي احترام تام لحقوق الإنسان.

فمن مهام الفعاليات الحقوقية و السياسية تتبع السياسات العمومية، كالسياسة الأمنية التي لا يجب أن تضر بالمواطن من خلال التجاوزات والاستفزازات وتعنيفات عناصر الأجهزة الأمنية. فعن أية حقوق للإنسان نتحدث عندما يتم تعنيف مواطنين أمام ذويهم وجموع من المواطنين أو اقتياد العشرات من المقاهي، بمنطق المزاج، إلى مراكز الأمن بدافع التحقق من الهوية؟

فمظاهر التسلط وممارسات التجاوزات والاستفزازات تحارب بآليات الضغط والصراع وليس بمنطق المواكبة وتلميع الصورة.

فالسياسة الأمنية، في حالة عدم ارتباطها بصناديق الاقتراع وأمام تقاعس الفعاليات الحقوقية والسياسية على تتبع هذه السياسة العمومية والضغط على عملها وطرق تدبيرها، فإنها تأخذ مسافات البعد مع إرادة المواطن واختياراته.

فيما يخص الحق في الأمن والطمأنينة، فيجب التطرق لمعاناة المواطنين اتجاه الاعتداءات والسرقات وأن حماس ومسؤولية المصالح الأمنية يجب أن تصب في هذا الاتجاه لتحقيق الأمن وفق المصلحة العامة، علما أن مصالح الدرك والأمن تعطي أولوية قصوى لمراقبة السرعة وضبط مخالفات السير والجولان وتسجيل الذعائر التي تمكن من مداخيل جبائية. فهدف الذعائر هو الردع لاحترام القانون، كقانون السير، ولا يجب أن تصبح الذعائر هدفا جبائيا محفزا لتحقيق المداخيل. 

فالضريبة (Impôt ) هي الإجراء الوحيد الذي يهدف الى تحصيل الموارد الجبائية لتمويل النفقات العمومية، وأن الذعائر أحدثت بهدف الردع للدفع باحترام القانون ومقتضيات النصوص، وأنه لا يجوز أن تنقلب الأهداف لكي يصبح الحافز الرئيسي للذعائر هو تحصيل الموارد على حساب جيوب المواطنين. 

هناك حاجة ماسة إلى توفير الأمن عندما يتعلق الأمر بعملية السرقات المسترسلة بالأسواق الأسبوعية بالإقليم وعمليات النشل التي تمس جيوب المواطنين، ناهيك عن النهب والسرقات المتكررة للمواشي والأبقار التي تستهدف سكان القرى وتفاقم من وضعيتهم المادية المزرية وتعمق أزمتهم.

فالنظام الديمقراطي الحقيقي يقتضي أن تمارس الأجهزة الأمنية عملها تحت سلطة وزير الداخلية الذي يمثل الأغلبية الحكومية على رأس هذا القطاع، المنبثقة عن صناديق الاقتراع والتي تتم مساءلتها ومحاسبتها على مشروعها المجتمعي في استحقاقات انتخابية نزيهة ومشروعة، مما يخول للمواطن حرصه على ممارسة سيادته الشعبية على هذا المجال الأمني وضمان سيره السليم و صوابه حفاظا على المصلحة العامة. ونستحضر بهذه المناسبة عبارة جورج كليمنصو Georges Clemenceau الذي عين في مارس 1906 كوزير للداخلية حيث قال موضحا دوره و وظيفته: ” أنه يمثل الشرطي الأول لفرنسا ” Le premier Flic de France” 

تعتبر وزارة الداخلية بمختلف مصالحها مؤثرا قويا في حياة المواطنين وحريتهم، وأن المصير الاجتماعي لشرائح واسعة منهم مرتبط أساسا بتدخل هذه الوزارة وتحكمها في التأشير على خدمات وإعانات اجتماعية معينة (استفادة من الرميد، ومنح الأرامل، قفف مواد غذائية…) في ظل غياب حماية اجتماعية حقيقية تضمن كافة الحقوق والرعاية ضد الأخطار الاجتماعية (التقاعد، المرض، التطبيب، الكوارث الطبيعية زلزال ، الفيضانات، التعويض عن البطالة…)

اذا كانت هيمنة وزارة الداخلية حاضرة على صعيد التراب الوطني، فإن بعض الأقاليم كحال ابن سليمان تتفاقم وضعية الهيمنة عليه عندما يتم تعيين مسؤولين أكثر تسلطا وطغيانا، ضمن تصنيف خاص به، خاصة عندما يتعلق الأمر بجماعات يعتبر مواطنوها كمشاكسين يجب ضبطهم وحصار مجالهم.

والتاريخ القريب للاقليم والمدينة يحفل بنموذجين مجاليين بن سليمان وسيدي بطاش واللذين شهدا مرور رجال سلطة عرفوا بشططهم وتحكمهم القوي في كتم الانفاس وطبخ المكاتب الانتخابية. وفرض حضورهم القوي في مناحي كل الحياة الاجتماعية والمعيشية للمواطنين.

بالنسبة لمدينة ابن سليمان عرفت مرور رجل سلطة كان على رأس الباشوية حيث عمر طويلا بها (1976 2000) والذي كان يتصرف بالمدينة كملكية خاصة. يتحكم في الحياة السياسية وطبخه المجالس على مقاس أهداف السلطة المحلية والاقليمية. وعرف بمحاربته للفعل السياسي والنقابي الجادين إذ وصل به الحد الى منع ترشح بعض الفعاليات السياسية في هذه الاستحقاقات الانتخابية خاصة الذين سيعارضون خططه ومصالحه و يمانعونه في فرض سيطرته وهيمنته إذ كان هو الرئيس الفعلي للمجالس المتعاقبة. بالاضافة الى تحكمه في الوعاء العقاري لمدينة ابن سليمان وتوزيعه على من يخدم أهدافه.

وقد اشتهر بفصله في القضايا والمنازعات التي تهم القضاء كحاكم فعلي، وقد خصص مكانا للاعتقال الاحتياطي بمقر الباشوية. كما اشتهر بتقليعة الحلاقة (كوب باشا) لرؤوس معتقليه كعقاب زجري للافراج عنهم فورا عوض تقديمهم للقضاء.

وفيما يخص منطقة سيدي بطاش، والتي شهدت مذبحة للديمقراطية عشية الانتخابات الجماعية التي اعتقل خلالها حوالي عشرين معتقلا في دفاعهم عن معركة النزاهة وتنديديهم بتزوير النتائج وخطف صناديق الاقتراع التي آلت نتيجتها لصالح المرشح نزيل تازمارت، عبد الله اعكاو.

وكان يقف وراء هذه المذبحة الانتخابية قائد المنطقة في تطبيقه لتعليمات وزارة الداخلية آنذاك، ضدا على تصويت المنطقة لصالح أحد أبنائها. وبالتالي القضاء المبرم على مصير الانتخابات الجماعية والتمادي في محاصرتها وتهميشها والوقوف ضدا إدارة المواطنين وتعبيرهم عن اختياراتهم.

كما عرفت المنطقة ممارسات سلطوية لقائد آخر إبان ما كان يسمى حملة ضد التشرميل، والذي قام باعتقاله لأحد شبان المنطقة وجز شعر رأسه. وبعد مرور بضعة أيام تم العثور على جثته وتداول فرضية انتحاره حيث تم ربط اقدامه على هذا الفعل ضدا على إحساسه بالظلم والحكرة.

وهذه الشواهد والحوادث تؤكد بالملموس أن معاناة المواطنين تتفاقم أكثر وارتباطها برجال السلطة مشهود لهم بالهيمنة وتسيير دواليب الادارة بمنطق التسلط والجبروت. وهذه الممارسات ليست عفوية بل تجسد ترجمة ممنهجة على ساكنة هذا الاقليم لتظل تحت الخضوع والضبط و وضع اليد على خيراته وثرواته، ومحاولة نسف كل إرادة ترفض هذا المنطق التسلطي الاستغلالي.

أستاذ بكلية الحقوق بالمحمدية

يتبع.. 

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى