
السفير 24 – بقلم :محمد سعد عبد اللطيف/ مصر
في عام 1999 غادرت الآراضي البولندية طُوعًا وبإرادتي بعد تعنت المستشار الثقافي الليبي في مد اقامتي عام بحجة دخول بولندا الاتحاد الأوروبي ،غادرت “بولندا الي المانيا” وكانت الوجهه الي العاصمة برلين ،اعطني صديق عراقي عنوان في برلين لصديق له في عمارة الأحلام المحبطة كما اطلق عليها صديقي الروائي العراقي “حمزة الحسن “إن لم أكتبها، لا تبلغ الأشياء مداهها، وتظل مجرد أشياء عشتها،
عندما وصلت الى “برلين” سكنا في عمارة قرب ميدان “الكسندر بلاتز” وهو من اكبر ميادين اوروبا ويوجد بساحة الميدان برج التلفزيون ومحطة مترو “اشبتيل ماركت” ومركز تجاري للمدينة الجميلة التي اشعر انني في القاهرة بأحياءها الساهرة في الصيف في منطقة( هيرمين بلاتز ) بعد فترة سألني المرحوم الأستاذ محمد عقل اين كنت تسكن قلت له في بداية اقامتي سكنت في ميدان الكسندر بلاتز ..قال “في عام 1974 ،خطبت في حشد جماهيري من شباب الدول الاشتراكية وكان بجواري المرحوم /ياسر عرفات ،والمرحوم ابن عمتي ابوزيد شاهين من ميت علي ومحمد الحديدي ،الذي اصبح نائب لدائرتنا في تسعينيات القرن الماضي وكان الميدان يقع في الشطر الشرقي ،لبرلين ..
والعمارة من ثمانية طوابق من الطراز الحديث ، لكنها ملخص للعالم، من فلسطنيين من لبنان مهاجرين من الحرب الآهلية ، وعراقيين فارين من نظام صدام حسين ، ومن ايرانيين ملكيين، ومن نساء عاهرات، بعد هزيمة الجيش الأمريكي في فيتنام، ومن جبهة الإنقاذ الإسلامي الجزائرية بعد فشل جبهة الانقاذ ،ومن ضابط انقلابي من اثيوبيا الذي فر بعد فشل بمحاولة انقلابية ضد الرئيس الشيوعي (مانجستو) وهرب بعد فشل الانقلاب.الذي يجمع الناس هنا هو القانون وليس العرق، ولا الدين ولا الشكل ولا الهوية ، الطابق الأول مشحون من أول شقة الى اخرها بمنشقين صينيين، ومن فارين من نظام الدكتاتور التشيلي (بينوشت) الى رجال أمن وجلادين سابقين هربوا من دول في امريكا اللاتينية، وأعداد من رجال ونساء اوروبا الشرقية بعد التحولات العاصفة اوائل تسعينيات القرن المنقضي، وروس وافغان هاربين من حرب افغانستان، واسلاميين من التيارات الأصوليةمن دول عربية ، وفي احدى غرف العمارة ظهر لنا ذات يوم لاجئ عراقي وتقمص صورة الإمام الغائب، يؤذن كل صلاة والغريب يلبس بنطلون شيرت قصير اثناء الصلاة ، حتى انتهى مصيره في مستشفي الأمراض العقلية.
في حين كان ضابط الانقلاب الاثيوبي يطرق علي الباب في أي وقت تتجاور شقتنا ويطلب باللغة العربية مكسرة: ” من فضلك عندك زجاجة بيرة لهذه العاهرة ” وهو كل مرة ينسي اني لا اشرب بيرة ..في ليلة ثلجية عاصفة أفقت من النوم على طرق عنيف على الباب بعد أن فشل جرس الباب الشاعري في ايقاظي وقلت مع نفسي بين اليقظة والنوم أن صديقي حيدر العراقي الذي اسكن معه ضاع منه المفتاح ، لكنني وجدت النقيب الانقلابي،عارِيًّا ، في قبضة الشرطة وهو يطلبني كشاهد على حسن سلوكه وفي قضية مخجلة عندما قام الاثيوبي في نوبة غضب أو اي نوبة اخرى غير مفسرة بحفلة جلد لفتاة اوكرانية وربما يكون الفهد الافريقي النائم في اللاوعي قد أفاق وقرر الانتقام من الماضي لكن مع الضحية الخطأ.تحول ضابط الانقلاب الفاشل الى “عمدة” العمارة وعارف أدق الآسرار وصمم كما يقول على ترك السياسة ، قال ذات مرة عن آخر الأخبار: مغربية .
” في الطابق الرابع تحاول عن طريق أعشاب أن تفعل كذا وكذا “يقصد السحر والشعوذة، ىكان يعرف مواعيد الدورة الشهرية والنوبات الغرامية المحبطة وكل اسرار القاع السري من خبرة قديمة في جهاز الاستخبارات وهو ضابط قوات خاصة في الحرس الرئاسي ،قال إنه الناجي الوحيد من محاولة الانقلاب بعد إعدام الجميع.
في واحدة من المرات طلب البوليس اجراء لقاء معي حول جريمة اغتصاب قام بها عراقي مجاور لي في الطابق كان محكُومًا عليه بالاعدام في العراق وخرج بعفو عام وارتبط بعلاقة صداقة مع شابة المانية في الصيف.
انتهت بكارثة بعد شهور من الرقص المشترك والنبيذ والتلامس الجسدي العفوي والفتاة في الشورت الصيفي الذي يكشف أكثر مما يستر،
وكانت تعتقد انها صداقة عادية كما في بلدها ولا تعرف أنها تلعب مع وحش بدوي صحراوي لم يشرب ماءً منذ عصور بابل وأشور ،،
حتى استنزف هو مقاومته وانهار لكنها مزقته باظافرها وصرخت طلبًا للنجدة كما هو التقليد هنا ولم يفلح في شيء حتى بلّغ شخص ما البوليس.قالت لي الشرطية بحضور مترجم فلسطيني هو صديق تعرفت علية في صلاة الجمعه في مسجد تركي :
“هل سمعت صُراخًا وطلب نجدة…؟.
قلت بعفوية شنيعة كعادتي:
” سمعت صُراخًا ، لكن الصراخ هنا ظاهرة عادية”.
لم أفطن الى هول ما قلت الا بعد أن لعلعت ضحكة المترجم الفلسطيني وهو يفسر لهجتي العامية بالترجمة التي قام بها حرفيًّا وقالت لي الشرطية مندهشة:
” يعني الاغتصابات مستمرة في العمارة..؟ قلت متردداً” لم أقصد هذا لكن الصراخ مستمر لَيلًا ونهارًا”
وحاولت أن أضيف عبارة” من الباب للمحراب”،
لكني سكت بعد أن كادت صراحتي أن تحولني من شاهد الى متهم بعدم الابلاغ عن جريمة أو مساعدة شخص يطلب النجدة. لكنها عرفت انني اسكن هنا منذ شهرين وقت قصير وبضعة شهور لا يتيح لنا فهم القانون وقالت:
” ما هو رأيك بما جرى..؟
قلت: ” نحن شعوب شرقية لنا عادات وتقاليد ،هنا المرأة او الفتاة شبة عارية في الصيف ،وهذا الشاب لدية كبت وغرائز مدفونة ،مثل حياتة التي عاش ينتظر تنفيذ حكم الاعدام خمس سنوات قبل الافراج عنة ماذا تنتظرين من وحش وزير نساء انتهي المترجم من ترجمة حديثي ،
حالة من الهستيريا وصاحت بالضحك لعفوية حديثي ،طلبت اكمل حديثي قلت . ليس في تقاليدنا العيش مع فتاة بالشورت الصيفي والخمر والرقص والمصارعة في السرير وهو مشهد رأيته مرة بنفسي وحذرته من المضي في هذه اللعبة الخطرة من دون وقوع مشكلة”.من نتائج التحقيق بدأ ان شهادتي اقنعت السلطة القضائية واطلق سراحه بعد شهر سجن مع تحذير لمدة عامين في أن تكرار ذلك سيقود الى محاكمة جديدة وعقوبة طويلة الأمد لكنه تعلم الدرس وتزوج مسلمة من اوكرانيا .لكن ماذا حل بالانقلابي الاثيوبي؟ والمهدي المزعوم العراقى؟
تلقيت دعوة من فيتنامي في الطابق الأول من المحتمل انه ابن جندي امريكي فرت به أمه من العاصمة سايجون بعد الحصار وهزيمة الجيش الأمريكي في ابريل 1975 والمناسبة هي عيد ميلاده. وجدت في الصالة الانقلابي الاثيوبي يتربع عرش الجلسة الخارج تواً من السجن، الذي قال لي ضاحِكًا.
” فرقتنا الآنظمة والعقائد وجمعتنا حفلة ميلاد لقيط ابن عاهرة فيتنامية”. الى جوار ضابط الانقلابي جلس متقمص شخصية المهدي المنتظر الخارج تواً من المصح العقلي وشاهدت تجمُّعًا غرِيبًا بمبلاس اول مرة أراها في حياتي ، من بوذيين وسيخ ومسلمين وثوار وباعة مخدرات وامام جامع عراقي ،قال لي الاثيوبي ساخرًا وهو بائع مخدرات وحشاش أيضًا.
ونساء من كوريا والصين وافغان وايران وتشيلي قال لي الضابط الاثيوبي همسًا أن نصفهن مغتصبات في السجون الوطنية. لمحت بين الحشد،”ابوعلي العراقي” الملتحي المتدين ،الذي يرجع له الفضل في تهريب العراقيين ومعظم العرب والمسلمين من اوروبا الشرقية ،وكان يعتبر هذة العمارة لكل عابر سبيل مؤقت للسكن مجانًا مع العراقي الذي نزلت علية ،حيث كان حاصل علي اللجوء السياسي كامل ،دار حديثي معه وقال هذة العمارة هي عبارة عن سكان العالم بإختلاف عاداتهم وتقاليدهم ، كل هؤلاء هم احلام محبطة وتجمع خيبات من قارات مختلفة.
أعلن المحتفى به الفيتنامي بلغة انجليزية صافية أقسم لي الضابط الانقلابي،همسًا كالعادة، انها انجليزية لقيط، أعلن بداية الحفل بدعوة عامة للشرب والموسيقى الجماعية الصاخبة، واختلط كل شيء ببعضه، لكني سمعت متقمص الإمام الغائب يقول لي في هذه الفوضى الصارخة: ياحسين ” تأكد أن هؤلاء بهذا الفجور يعجلون بظهور الغائب”.
قلت مُنزعِجًا: “تسكت أو أُبلغ مستشفي المجانيين …!!
كاتب وباحث مصري ،ومتخصص في علم الجغرافيا السياسية ،،،



