في الواجهةكتاب السفير

“تور دو فرانس” .. الرياضة و أشياء أخرى

"تور دو فرانس" .. الرياضة و أشياء أخرى

isjc

السفير 24 – بقلم: محمد كرم

تنبيه هام : ليست الغاية من هذا المقال توفير دعاية مجانية للسياحة بأحد بلدان الجوار. الأمر لا يعدو أن يكون تعبيرا ذاتيا عن انطباعات شخصية ما فتئت تتراكم منذ بدأ اهتمامي و شغفي بطواف فرنسا للدراجات.

بعد أسابيع معدودة من الآن، و على امتداد عشرين يوما و نيف، سأجدد عقد الوفاء الذي يربطني بواحدة من أقرب الرياضات إلى قلبي و سأجدني مرة أخرى ـ بمقتضى أحد بنود العقد ـ منخرطا في جولة مجانية ستقودني إلى العديد من ربوع أول قبلة سياحية في العالم بدون منازع.

لن تكون الرحلة ملموسة بجسدي و مجموع حواسي. سأكتفي فقط بالتسمر أمام تلفازي بمعدل ساعتين في اليوم على الأقل، و انطلاقا من أريكتي سأستنشق من جديد عبق التاريخ و سأكتشف عجائب الجغرافيا و سأقطع المسافات و أعبر الجسور و أخترق السهول و الهضاب و أصعد التلال و الجبال و أدخل القرى و البلدات و الأمصار دخول الفاتحين جنبا  إلى جنب مع أبطال الدراجة العالميين. بعبارة أخرى، لن أكون في حاجة إلى انتظار دوري للحصول على تأشيرة دخول التراب الفرنسي و لن أجد نفسي مضطرا للإجهاز على مدخراتي و ميزانيتي لبلوغ هذا الهدف مادام أسلوبي هذا في ممارسة السياحة يفي أحيانا بالغرض و زيادة. ليس من الضروري إذن امتلاك ثروة بحجم ثروة إيلون ماسك للاستمتاع بالكثير من الأشياء الجميلة في هذه الحياة، و ليس من الضروري أيضا التوفر على نفس صلاحيات و امتيازات جياني إنفانتينو لولوج عوالم و فضاءات في غاية الإثارة و الروعة … و لو افتراضيا على الأقل ! 

مرة أخرى سيكون لي و لعموم المتابعين موعد مع الماء و الخضرة و الوجه الحسن. سنرى الأشجار الباسقة و الوارفة و الأنهار بنوعيها البطيء و السريع و البحيرات الهادئة و الشلالات الهادرة و جداول المياه الرقراقة و هي تخترق المروج و النسور المفترسة و هي جاثمة على قمم الجبال أو سابحة في سماء حقول الكروم و الكرز و التفاح و القمح و الذرة و عباد الشمس و الفراولة، و سنرى … و سنرى …  و كل هذا بحضور معلقين رياضيين لن يترددوا في التحول من وقت لآخر إلى مرشدين سياحيين لتزويد المشاهد بالتفاصيل التاريخية و الجغرافية المرتبطة بالمواقع التي سيمر عبرها الطواف.

مرة أخرى سيتأكد لي أن طواف فرنسا للدراجات، الذي سرت بذكره الركبان منذ أزيد من قرن من الزمن و الذي لم يتوقف إلا في زمن الحرب، مدرسة قائمة الذات في مجال اللوجيستيك. لا شيء متروك للصدفة. كل شيء خاضع للحسابات بدءا بتحديد المسار (الذي يتغير سنويا) و انتهاء بوضع ترتيبات حفل التتويج النهائي مرورا بتحديد الإجراءات الأمنية و الإدارية و ضمان خطوط الإمدادات الميكانيكية و الغذائية و التطبيبية إضافة طبعا إلى وضع تصور مضبوط لصيغة التغطية الإعلامية. حتى دراسة حدود قدرات المتسابقين من أولويات التخطيط (هناك ـ ضمن إجراءات أخرى ـ  حث على الارتواء من وقت لآخر في الأجواء الحارة بواسطة مكبرات الصوت !).

مرة أخرى سأقف مشدوها أمام احترافية الإخراج التلفزيوني و صفاء البث و دقة التنسيق بين مختلف التقنيين و الإعلاميين و روعة التصوير المحفوف بالمخاطر و المنجز انطلاقا من مجموعة من الدراجات النارية و السيارات و المروحيات و الطائرات الصغيرة المسيرة التي أضاف إقحامها في عملية التقاط المشاهد الكثير إلى جمالية الطواف. حتى ضبط المعطيات و تحيينها مضمونان بدرجة كبيرة بحيث أن كل الأرقام و كل التفاصيل التقنية و الإخبارية المرتبطة بكل مرحلة تظهر على الشاشة بالدقة اللازمة و دون تأخير. 

مرة أخرى سيصطف عشاق الطواف بمحاذاة سياراتهم أو جراراتهم الفلاحية أو بيوتهم المجرورة على جانبي الطريق مرفوقين بأطفالهم و كلابهم و محتمين بمظلاتهم و ملتفين حول موائدهم العامرة و كلهم يتطلعون إلى التملي بطلعة الدراجين و الترحيب بهم بشتى الطرق التقليدية منها و المبتكرة و حثهم بالتصفيق و الهتاف على مواصلة الرحلة. الحضور التلقائي للجماهير الممثلة لمختلف المستويات العمرية على طول المسار مضمون دائما، بل من ضمن الفضوليين المشجعين هناك من لا يفقه شيئا في هذه الرياضة الشعبية و ليست له حتى القدرة على التمييز بين دلالات القميص الأصفر و القميص الأخضر و القميص المنقط.

مرة أخرى سنقرأ في عيون المتفرجين حب الوطن و الرغبة في التعايش و في الاستمتاع بكل ما هو جميل و سنرى أيضا صورة راقية لمستوى التربية المدنية. الناس منضبطون من تلقاء أنفسهم ما يفسر التواجد المحدود لقوى الأمن و غياب الحواجز الحديدية و خاصة خارج المدارات الحضرية. 

مرة أخرى سنلمس التجسيد الحقيقي للصحافة الرياضية المتخصصة من خلال المتابعة الدقيقة لأداء المتسابقين و التذكير بتاريخ الطواف و مختلف المسارات التي سلكها و أسماء المتوجين السابقين و الذين منهم من لا يتردد أبدا في قبول دعوة الواصفين و المعلقين و المحللين الرياضيين للانضمام إليهم بغية إثراء الوصف الاحترافي للحدث أو لتعميق التحليلات الرصينة التي تعقب كل مرحلة.

مرة أخرى سنشهد هدوء البداية و أناقتها قبل أن تستعر المنافسة و يصل احتدامها إلى درجة اصطدام الدراجين ببعضهم البعض، وسنضع أيدينا على قلوبنا بمواقع بعينها و خاصة بالمنحدرات الخطيرة حيث بإمكان السرعة أن تلامس 90 كلم في الساعة !

مرة أخرى سيحتدم الصراع بين الشركات بعد طي صفحة التنافس بأسماء الدول المشاركة ليتأكد للجميع بأن المال سيظل دائما عصب الحياة حتى في الرياضة. الدراجون اليوم ـ و على الرغم من الذكر المتكرر لجنسياتهم ـ هم مرتبطون في الطواف بمقاولات و مؤسسات اقتصادية كبرى لاعتبارات مادية صرفة و ليس بكيانات وطنية لا تجمعهم بها سوى اعتبارات رمزية و قومية. انتهى على ما يبدو زمن التعرق دفاعا عن ألوان راية الوطن في صفوف فئات بعينها من الرياضيين المحترفين.

مرة أخرى سيتضح جليا أن طواف فرنسا للدراجات حدث رياضي بامتدادات سياحية و اقتصادية، وهو أيضا و بدون أدنى شك حدث حضاري و ملخص مركز للعبقرية الفرنسية و خاصة في بعديها العمراني و المعماري و مرآة عاكسة لغنى  البلاد و تنوع مؤهلاتها الطبيعية و البشرية و الثقافية حتى أضحت هذه المناسبة حدثا عالميا ينتظره الجميع بل و “ماركة مسجلة” نجحت فرنسا في تصديرها منذ البدايات. لا داعي للتعجب إذن عندما نرى دولا متقدمة من قبيل إيطاليا و إسبانيا و سويسرا  و أخرى أقل تقدما من قبيل كولومبيا و رواندا و بوركينا فاسو و تركيا قد دأبت علي تنظيم طوافات خاصة بها على الطريقة الفرنسية مادام جني المكاسب المنتظرة مضمونا إلى حد بعيد.

مرة أخرى سيخيل لنا أحيانا بأننا بصدد متابعة وثائقي من وثائقيات “ناشيونال جيوغرافيك” أو “الجزيرة الوثائقية” و ليس بصدد متابعة مرحلة من مراحل سباق خاص بالدراجات و ذلك من فرط تركيز المخرج و معاونيه على إبراز جمالية الريف الفرنسي مع تسليطهم الضوء على مناطق منتقاة بطرقها الإقليمية و الثانوية و قلاعها و أسوارها و قصورها و جسورها و مصبات وديانها و كاتدرائياتها و كنائسها و أديرتها و منتزهاتها و أبقارها و خرفانها و عشبها الدائم الاخضرار… و طبعا لن تمر كل هذه المشاهد من أمامي دون أن تعود بي الذاكرة إلى عنزة السيد سوغان و طيشها المميت !!

مرة أخرى لن يأبه أبطال الدراجة و مرافقوهم على طول الطريق لا بالشمس الحارقة و لا بالزخات المطرية المفاجئة و لا بتوالي البرق و الرعد و سيواصلون اختراقاتهم و فتوحاتهم و لن تصدر أوامر بوقف السباق إلا لأسباب قاهرة.

مرة أخرى سنرى “مناضلين” بحظ عاثر بسقطون على بعد أمتار قليلة من خط الوصول بعد تسيدهم للمرحلة منذ انطلاقها و سنرفع القبعة لكل المتسابقين بدون استثناء مهما كانت رتبة كل واحد منهم، فمجرد استكمال السباق إنجاز رائع في حد ذاته.

مرة أخرى سيذكرنا أبطال الدراجة بأن نيل المطالب لا يكون بالتمني و إنما تؤخذ الدنيا غلابا.

مرة أخرى سنقف مبهورين أمام المدى الذي يمكن أن يبلغه مستوى أداء جسم الإنسان بفضل التدريب المنتظم و التنافس المعقلن (هناك من غير الدراجين المحترفين من ليس بوسعه قطع المسافة الإجمالية السنوية للطواف داخل نفس الفترة حتى على متن سيارة !!!!).

مرة أخرى سنرى كيف أفلح العقل البشري في تحويل اختراع بسيط (أقصد الدراجة الهوائية طبعا) من مجرد أداة  للتنقل الشخصي أو لممارسة الرياضة  إلى وسيلة لخلق دينامية اقتصادية و تحقيق الإشعاع الحضاري و نشر المعرفة على نطاق واسع أيضا.

مرة أخرى لن أتعاطف بالضرورة مع  دراج بعينه مادام أن فوز هذا البطل أو ذاك لن يزيد أو ينقص من درجة الاستمتاع بالحدث و مادام السباق مجرد جزء من اللوحة العامة، و هذا ما نلمسه أيضا في تظاهرات أخرى من قبيل منافسات الفروسية و سباق السيارات و الزوارق الشراعية حيث تمتزج الرياضة بالسياحة و الاستجمام و الثقافة و أشياء أخرى.

مرة أخرى سنلمس وجود العديد من المؤشرات التي تؤكد مباركة أعلى سلطة بالبلاد لهذا الحدث الرياضي البارز و استعدادها الدائم لضمان استدامته.

و مرة أخرى لن نرى و لو عربيا أو إفريقيا واحدا ضمن الرياضيين المتنافسين ليس بسبب تبني معايير تمييزية قائمة على أساس العرق أو اللون أو الدين بكل تأكيد بل فقط لكون السير الذاتية و المعطيات المتوفرة لا تؤهل المتواضعين و المتوسطين للمنافسة إلى جانب الكبار.

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى