في الواجهةكتاب السفير

عِلم تظاهرة الشارع ..

عِلم تظاهرة الشارع ..

isjc

السفير 24 – عبد اللطيف مجدوب

يمكن القول ؛ وتبعا لعدة دراسات وتقارير ؛ إن الاحتقان السياسي والاقتصادي بات من أبرز السمات التي تميزت بها عشريات الألفية الثالثة ، بدءا بثورات “الربيع العربي” ومرورا بحرب روسيا على أوكرانيا وصعود الأحزاب اليمينية المتطرفة في أروبا ، وانتهاء بحرب إسرائيل على غزة. وكان لافتا ؛ كرد فعل مباشر لهذا الاحتقان الاقتصادي خاصة ؛ توتر اجتماعي خانق ، زاد من لهيب الاحتجاجات والمظاهرات الشعبية العارمة ؛ التي باتت تحتضنها كبريات الشوارع بمعظم العواصم العربية والأمريكية والأروبية ، مظاهرات أو بالأحرى احتجاجات شعبية سلمية بألوان وأطياف مطالبية متعددة ، تسير فيها مختلف الشرائح الاجتماعية ، وتأطير ؛ أحياناً ؛ بانتماءات حزبية ومهنية وحقوقية ، ما كان لها قطعا أن تنتظم وتتآلف بين مكوناتها لولا ركوب الميديا الشعبية Social media وأدوارها الخطيرة في إثارة الرأي العام العالمي وزعزعة التوجهات الحكومية ، وفي حالات خاصة إحداث انشقاقات في صفوف الأحزاب والتحالفات الحاكمة ، كلما انتظمت في مسيرات شعبية صامتة مكتفية برفع شعارات أو هادرة مرددة لها.

الميديا الشعبية كسلاح جماهيري

  ما زال العالم يتذكر بالأمس القريب هيجان الشارع العربي غداة أن أشعل البوعزيزي فتيله سنة 2011 ، وكيف اتسعت رقعته اتساع النار في الهشيم ، حتى أتت نيرانه على سقوط عدة أصنام عربية حاكمة ، ما كان لهذا الحادث المدوي “الربيع العربي” أن يقع بهذه الجسامة الجغرافية والجماهيرية لولا الميديا الشعبية التي أذكت لهيبها وجعلتها تتصدر شاشات القنوات الفضائية العالمية ، ومن ثمة جعلَ بعض الحكام وأرباب السلطة يتهيبون هذه الوسيلة ويرونها ماردا جبارا ، لا يمكن التنبؤ بخروجه من قمقمه ، ولا بمدى نفوذه على جماهير الميديا ، فحاولوا حجب شبكته حينا ، أو خلق جنود خفاء له على الفضاء الأزرق ، حينا آخر كمقاوم ومفنّد لأطروحته الشعبية السائدة.

  حرب غزة والمد الجماهيري العالمي

  ما إن شرعت القوات الإسرائيلية في دك مدينة غزة وإمطارها بوابل من القنابل والصواريخ حتى تناقلت بعض القنوات الفضائية صورا فظيعة لمجازر المدنيين في المستشفيات والمدارس ، والتي اهتز ؛ لهولها وروعها ؛ الضمير الإنساني العالمي ، فأخذت أصوات الاستنكار والتنديد والاحتجاج تتعالى وتتوالى في شكل مظاهرات ومسيرات شعبية ؛ بعضها امتد ليطوق مراكز أمنية وحكومية ، كما حصل في مسيرة الغضب بالقرب من مبنى البيت الأبيض ، ناهيك عن أخرى داخل إسرائيل ، كلها تطالب بالوقف الفوري لآلة الدمار الشامل لغزة ، والعمل على الإفراج عن المحتجزين لدى فصائل المقاومة الفلسطينية ، وهكذا تكشّف للعالم المد الجماهيري وثقله في معادلة الحرب والسلام ؛ كان من نتائجها المباشرة عدول البيت الأبيض عن خطابه التحريضي الأول باستمرار الحرب ، وجنوحه إلى خطاب التهدئة ومراعاة “قوانين الحرب” ، لكن سرعان ما سيركن خطابها ؛ في ضوء اشتداد الضغوطات الشعبية وافتضاح النوايا الإسرائيلية ؛ إلى المناداة بهدن إنسانية..!

   حالياً ؛ واستنادا لهذه الأدوار المفْصلية التي باتت تضطلع بها الاحتجاجات الشعبية ؛ تحولت سرْدية هذه الأخيرة ؛ في أعين العديد من الإخصائيين ، سواء في سوسيولوجيا الحراكات والاحتجاجات Protest sociology أو سوسيولوجيا الثورة Revolution sociology ؛ إلى “علم” مستقل بذاته بمدلول علم احتجاجات الشارع Street protest science ، ما دام يحمل هذه التراكمات من الصدامات السياسية بين الشعوب وحكامها في اتجاه تغيير الرأي العام العالمي والضغط على الحكومات خاصة ، وبتأثيرات معلوماتية ضخمة قابلة للتمحيص والتسجيل والقياس والإحصاء والتنبؤ بمداها وآثارها.

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى