
السفير 24 – بقلم: عبد اللطيف مجدوب
فقدان الثقة السياسة
تفيد بعض الإحصائيات بأن معظم الأنظمة السياسية العربية ضرب أرقاما قياسية في تضخم عدد الأحزاب وتعدد ألوانها ومشاربها وأعراقها ، ويمكن الجزم بأن متوسط عدد الأحزاب الذي تختزنه كل دولة عربية يصل بالكاد إلى 25 حزبا ، وأحيانا بفارق كبير بين البلد والآخر يتحدد في 30 حزبا ، فالأردن ؛ على سبيل المثال ؛ يحتضن 49 حزبا ، وفي لبنان بلغ عدد الأحزاب ؛ بين الطائفي والعشائري والعقائدي ؛ 166 حزبا ، وأما تونس فقد عرفت طفرة تفريخ الأحزاب لدرجة غير مسبوقة في أعقاب الإطاحة بالرئيس السابق بنعلي ، وصل حالياً 200 حزبا (معظمها خامد) ، وبالجزائر فقد فاقت بها الأحزاب 62 تشكيلة ، مع انتظار العشرات للترخيص ، وفي العراق بلغ عدد الأحزاب المجازة رسمياً 249 حزب ، وفي ليبيا ما زال التشظي السياسي سيد الموقف في توافق الأحزاب والعشائر على تشكيل الحكومة ، أما السودان فبه أكثر من 100 حزب ، علاوة على أن دورها في التأطير والمساهمة في تشكيل المشهد السياسي العام بالكاد أخرس ، وأصبح في الآونة الأخيرة محل نفور كافة مكونات المجتمع المدني .
هذه الظاهرة في ؛ تفريخ الأحزاب بهذه الأعداد ؛ جاءت ردا على التهم التي ظلت لصيقة بالنظام السياسي العربي ذي التوجه “الديكتاتوري” ، أو”الحزب الأحادي الحاكم” أو”النظام الشمولي” .
بنية الأحزاب وتشرذم المشهد السياسي
هناك أحزاب قديمة أو بالأحرى رائدة في حصول استقلال كثير من الأقطار العربية، بعضها استمد تسميته من الظرفية الآنية ، كحزب الاستقلال بالمغرب، وجبهة التحرير الوطني بالجزائر، وبعضها استمد شعاره من بعض الأقطاب الايديولوجية ، كحزب التقدم والاشتراكية ، والحزب الوطني الديموقراطي، بينما هناك أحزاب أخرى تبنت؛ في نهجها السياسي ؛ ظرفية سياسية فارقة ، كأحزاب البعث والتي قدمت إلى السلطة على متن دبابات الانقلابات العسكرية ، ثم هناك أحزاب إسلامية بزغ نجمها على إثر الثورة الخمينية بإيران، واستبداد بعض التنظيمات الإسلامية بالسلطة ، هذا فضلاً عن وجود عينة من الأحزاب صدرت ؛ في تنشئتها؛ عن توجهات عرقية أو طائفية أو عشائرية ، كما الحال في معظم الأحزاب بكل من العراق ولبنان.
إلا أن هذه البنية وبهذه التعددية ، وحتى لو كانت قوانينها الداخلية المكونة ؛ تنحى في اتجاه “الحقوق والديمقراطية ؛ فإنها في الواقع الميداني تظل تتهافت على كراسي السلطة ، ولا تنشط غالبا سوى في المواسم الانتخابية ، لذا أطلق عليها “بالدكاكين الانتخابية ” ، وهناك أحزاب قامت على فكرة صيانة وحماية مصالح فئوية معينة ، ذات هيمنة اقتصادية بارزة ، في هذا القطاع أو ذاك. ويجمل بنا القول ؛ في هذا السياق ؛ الإشارة إلى بؤر توترات إقليمية ذات نزعة بالكاد انفصالية ، أبرزها الحركة القبايلية الأمازيغية بالجزائر MAC.
ولإن كانت بعض الأنظمة الحاكمة أصبحت تشدد القيود على إنشاء مزيد من الأحزاب ، فإن غليان المشهد السياسي والاضطرابات الاجتماعية التي تعرفها بعض البلدان ، زاد أن عمق ؛ في وجدان المواطن العربي ؛ النفور السياسوي واللاثقة في “الحاكم” ، ما حدا بالواقع العربي ؛ وبجغرافية سياسية ممتدة ؛ إلى الانزلاق إلى هوة التشظي والتمزق السياسيين ، فظهرت إلى العلن تنظيمات اجتماعية ذات نزعة دينية تحت يافطات وعناوين (الحركات والجمعيات) ؛ تشتغل في الخفاء ، ولها امتدادات جغرافية في ربوع البلاد العربية ، غالبا ما تقدم نفسها بديلا ” لتدهور” الواقع المعيش ، وتسعى هذه الكيانات بوسائل خاصة إلى التغلغل داخل المجتمعات ، أو تهدف إلى توسيع قاعدة جمهورها عبر بوابات خيرية إحسانية ، لكنها لا تفتأ أن تغير جلدتها حينما يحل موسم الانتخابات ، كالجمعيات الخيرية والثقافية والفنية والمهنية.. وتجعل من بعض المرافق الاجتماعية نقط الاستقطاب والتمدد ؛ كحركة الجهاد الاسلامي ، وحركة الإخوان المسلمين ، وحركة حماس ، وحركة السلفية الوهابية ، والحركة السلفية الجهادية ، والتيار الصدري..
واقع سياسي مضطرب
كان وما يزال التداول على السلطة أبرز المساعي التي يرومها كل تنظيم سياسي ، إلا أن قضية النضج السياسي أو بالأحرى استراتيجية الانتخابات السياسية العربية هي التي تتكسر عليها كل المحاولات لتجديد النخب السياسية ، لانتفاء شفافية واضحة ترضي كافة فرقاء اللعبة.
الانقلاب العسكري أو حينما تُغتصب السلطة
تشهد كرونولوجيا السياسة العربية Chronology على فترات حالكة أو بالأحرى دموية ؛ امتدت خلالها أيادي العسكر لعزل حاكم والإطاحة به وانتقال السلطة إلى أيادي أصحاب البنادق ، وهو دأب كثير من الأنظمة العربية ، حينما ينفلت الأمن بها ؛ لاضطرابات سياسية ما ؛ فيتدخل الجيش بذريعة احتواء الأزمة والضرب على أيدي ذوي الأطماع والطموحات السياسية اللامشروعة ، وتمرد العسكر أحياناً وفي راهنية الظروف ؛ يكون مدعما من قبل أطراف خارجية ؛ لها دورها في تشكيل المشهد السياسي العام ، كما لاحظنا إبان اغتصاب العسكر للسلطة في مصر أيام محمد مرسي وقبله في ليبيا الملك السنوسي ، وكذا في الجزائر التي ظل فيها نظام الحكم لا يبارح الهيمنة العسكرية على كل مرافق الدولة ، حتى وإن ظهر مقنعا بالمسحة المدنية.
وصفوة القول ؛ يمكن القول وبشكل عام ؛ إن الأمية السياسية ؛ في تدبير الشأن العام ؛ من جهة واللاثقة في الآخر من جهة ثانية ، كان وسيظل الوقود الأساس للتناحر السياسي والذهاب بالبلد إلى الفوضى ونهب مقدراتها ، ومن هذا المنطلق حرصت العديد من الأنظمة الغربية على بث أجهزتها المراقباتية في كل البلدان العربية ، لضمان حماية مصالحها في الدرجة الأولى ، وكجرس إنذار لها كلما لاحظت وجود فتيل سياسي/اجتماعي قابل للانفجار.



