في الواجهةكتاب السفير

هفوة رئيس مجلس المستشارين!

هفوة رئيس مجلس المستشارين!

REGION CASA SETTAT

السفير 24 – بقلم: اسماعيل الحلوتي  

      في توقيت خاطئ وغير محسوب العواقب خرج النعم ميارة رئيس مجلس المستشارين وعضو اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال المكون الثالث للتحالف الحكومي بقيادة عزيز أخنوش، خلال لقاء حزبي من تنظيم منظمة المرأة الاستقلالية، الذي انعقد يوم السبت 8 أبريل 2023 بالرباط، أكد فيه: “أن حزب الاستقلال يؤمن بأنه سيأتي يوم يسترجع فيه المغرب مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين، ليس بالسلاح ولكن بالحوار والمفاوضات الجادة مع الجارة إسبانيا”

      وهي التصريحات التي وإن بدت للبعض بأنها لا تعدو أن تكون تعبيرا تلقائيا عن الموقف التاريخي لحزب الاستقلال وكافة المغاربة حول مغربية المدينتين السليبتين، فإنها فضلا عن كونها أعادت إلى الأذهان ذلك النقاش الحاد الذي أثير في الجارة الشمالية قبل نحو ثلاث سنوات، على إثر تصريح لرئيس الحكومة السابق والأمين العام السابق لحزب العدالة والتنمية سعد الدين العثماني، حين قال: “إن المغرب ربما سيفتح في يوم ما ملف المدينتين سبتة ومليلية” مما أدى آنذاك بوزارة الخارجية الإسبانية إلى استدعاء سفيرة المغرب لديها كريمة بن يعيش على وجه السرعة.

      أثار كذلك زوبعة من ردود أفعال غاضبة من طرف عدد من الصحف الأيبيرية التي ركزت باهتمام شديد على تصريحات الشخصية الرابعة في هرم السلطة بالمغرب، واعتبرتها هجوما جديدا على سيادة المدينتين، متسائلة عن جدوى تطبيع العلاقات ومصير الالتزامات، وما تم التعهد عليه من قبل البلدين من احترام متبادل وعدم إساءة أي طرف للآخر، كما أن وزيرة الدفاع الإسبانية مارغريتا روبليس لم تتأخر في التدخل، حيث شددت في ردها بلهجة صارمة على أن “إسبانية سبتة ومليلية غير قابلة للنقاش” قائلة: “بقوة مطلقة وكاملة سبتة ومليلية مدينتان إسبانيتان”، مستبعدة أن يأتي أي رد حكومي في هذا الشأن، ومؤكدة على أن حكومة بلادها واضحة في هذا الموضوع، ولا توجد إمكانية للنقاش أو أي شيء آخر، على حد تعبيرها.

      وفي المقابل عاب مجموعة من المغاربة على رئيس مجلس المستشارين هكذا تصريحات من شأنها الإضرار بالتزامات بلادنا في شخص العاهل المغربي محمد السادس، بعد أن كانت قد تعهدت على توطيد العلاقات بين البلدين الصديقين وفق أسس جديدة قوامها الصدق والصراحة والاحترام، ولاسيما أن إسبانيا التزمت بدورها بدعم مشروع المقترح المغربي حول الحكم الذاتي في قضية الصحراء المغربية، معتبرة إياه مقترحا جادا وذا مصداقية. إذ هناك من يرى أنه لم يكن هناك من داع لرئيس مؤسسة دستورية لتلك التصريحات. حيث كان من الممكن أن يتم تجاوز الأمر دون أن تعطاه أدنى أهمية أو يثير مثل كل هذا الجدل، لو أنه جاء على لسان شخص آخر بغير هذا المستوى من المسؤولية الكبرى. فيما ذهب بعض المراقبين إلى حد اعتبار ما أقدم عليه “النعم ميارة” يندرج في إطار التطاول غير المسؤول على اختصاصات الملك، الذي له وحده الصلاحية الكاملة في الحديث عن مثل هذه الأمور الحساسة، التي تستلزم نوعا راقيا من الدبلوماسية.

      والدبلوماسية تقتضي منى الشخص المسؤول أن يفكر فيما سيقول مرتين قبل أن ينطق بأي كلمة تفاديا لما يمكن أن تجره أقواله وتصريحاته عليه وعلى بلاده من مشاكل هي في غنى عنها. ثم إن لرجل السياسة وخاصة إذا كان يشغل أحد المناصب العليا ويتحمل مسؤوليات كبرى دورا مهما ليس فقط في استقطاب المواطنين، بل كذلك في تعزيز علاقة بلاده بباقي البلدان الصديقة والشقيقة على وجه الخصوص، بدل أن يسعى بوعي أو بدونه إلى التشويش وتعكير الأجواء. فهل نسي عضو اللجنة التنفيذية النعم ميارة، أن الأمين العام السابق لحزب “الميزان” حميد شباط كان قد أدى الثمن غاليا، عندما سمح لنفسه بالتعبير عن ذات الموقف التاريخي للحزب من موريتانيا، بالقول: “إن الانفصال الذي وقع عام 1959 خلق مشاكل للمغرب، ومن ذلك تأسيس دولة موريتانيا، رغم أن هذه الأراضي تبقى مغربية، وأن كل المؤرخين يؤكدون ذلك”؟ وهو ما اضطر معه إلى تقديم اعتذار صريح تجنبا لأي توتر في العلاقات بين الرباط ونواكشوط.

      إنه من غير المقبول ولا المعقول أن يستمر إسناد المسؤوليات الكبرى لمن هم غير أهل لها ودون مستوى تحملها، حيث تم تسجيل مجموعة من الزلات والهفوات التي كادت في عدة مناسبات أن تدخل المغرب في أزمات دبلوماسية مفتوحة على كل التوقعات مع دول صديقة وشقيقة في أوقات جد صعبة. وهو ما يؤكد على أننا أحوج ما نكون إلى سياسيين حقيقيين ممن يتميزون بالحكمة والتبصر وبعد النظر، ويقدرون حجم المسؤولية المنوطة بهم.

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى