في الواجهةكتاب السفير

“تبنديــرة” دبلوماسية

"تبنديــرة" دبلوماسية

isjc

بقلم : عزيز لعويسي

يبدو أن محمد بن بطوش، زعيم جمهورية الوهم والسراب، عاش خلال الآونة الأخيرة، ربيع عمره السياسي المزعوم، وتذوق حلاوة الرئاسة المزيفة، بعد أن استقبل قبل أيام، استقبال الرؤساء والزعماء من قبل قيس تونس، بمناسبة قمة تيكاد8، وهو الاستقبال الذي تم التسويق له على أكثر من مستوى من طرف النظام الكابراني وأزلامه وأبواقه، ومن يدور في فلكه من صعاليك تندوف، وعجل بتأزيم العلاقات بين الرباط وتونس.

ولم يكد يغلق باب تونس وقيسها وسعيدها، حتى فتح باب العاصمة الكينية نيروبي أمام زعيم جمهورية البطاطيش، الذي حضر مراسم تنصيب الرئيس الكيني الجديد ويليام سامو روتو، إلى جانب عدد من الزعماء والرؤساء والوزراء الأفارقة والأجانب، ولم تدع وسائل إعلام النظام الكابراني ومن يسبح بحمده من أبواق تندوف، لم تدع الفرصة تمر، دون توجيه البوصلة نحو بن بطوش وهو يستقبل استقبال الزعماء والأبطال في قلب الملعب الوطني بالعاصمة الكينية نيروبي، ولم تترد في توثيق صور الزعيم الكرتوني، وهو يقوم بثقة الزعماء والنجوم والمشاهير، بتحية الجماهير الكينية التي حجت إلى ملعب نيروبي بمناسبة حفل تنصيب الرئيس الجديد، وكأنه “القدافي” في زمانه، الذي رقى نفسه إلى منزلة “ملك ملوك إفريقيا”.

صورة الزعيم الوهمي بن بطوش في قلب ملعب نيروبي، أنعشت خزينة نظام الشر الذي يسعى كعادته، وراء أي انتصار كرتوني يخرجه من جحر اليأس والبؤس والهزيمة، وأخرجت أبواق الوصوليين والانتهازيين والمنبطحين، الذين وصفوا الحدث البطوشي ب”صفعة ضد المخزن المغربي”، واستفزاز ما بعده استفزاز للمغرب والمغاربة، ينضاف إلى استفزاز تونس و”قيسها” التائه، لكن فرحة الإحساس بالنصر لم تكن طويلة، وحبل الانتشاء بالزعامة الوهمية كان قصيرا بل وقصيرا جدا بالنسبة للزعيم البطوشي، الذي بقدر ما صعد إلى درج النجومية المزيفة في لحظات عابرة، بقدر ما سقط سقوطا مدويا، تقاطعت فيه مفردات الدل والإهانة والتحقير .

في هذا الإطار، ومباشرة بعد تسلم الرئيس الكيني المنتخب حديثا لمقاليد السلطة، قررت الجمهورية الكينية، العدول عن اعترافها بالجمهورية المزعومة والشروع في خطوات إغلاق تمثيليتها في العاصمة نيروبي، مع التعهد بفتح سفارتها بالرباط، والمضي قدما إلى جانب المغرب، في اتجاه الارتقاء بمستوى العلاقات الثنائية إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية خلال ستة أشهر القادمة، ومباشرة بعد هذه “التبنديرة” الدبلوماسية التي لم تكن في بال نظام السوء ولا في حسبان جبهة الوهم، غادر بن بطوش التراب الكيني للتو، مغادرة المهزومين والخائبين واليائسين والمتواضعين، بعدما دخله مثن طائرة رئاسية “كابرانية”، دخول الزعماء والنجوم والمشاهير والفاتحين.

“تبنديرة” دبلوماسية، شكلت مرآة عاكسة لدبلوماسية مغربية تشتغل في صمت في إطار من “الحكمة” و”التبصر” و”الواقعية” والاستباق” و”المباغتة”، بعيدا عن لغة “الفنتازيا” و”العنتريات” و”صراع الديكة”، كما شكلت “رسالة مكشوفة” أمام العالم، مفادها أن معظم إفريقيا بشرقها وغربها وجنوبها، باتت مقتنعة أكثر من أي وقت مضى، بمغربية الصحراء وبنجاعة وصواب مقترح الحكم الذاتي كحل واقعي وذي مصداقية من شأنه تسوية النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية، وأضحت مؤمنة بضرورة التصدي لكافة أشكال الانفصال والجريمة والتطرف، من أجل إفريقيا موحدة وآمنة ومستقرة ومزدهرة، بدليل أن الدول التي شكلت طيلة عقود معاقل ومعسكرات تقليدية للجزائر وجمهوريتها الوهمية، باتت تغير مواقفها تباعا، كما هو الحال بالنسبة لكينيا التي لها مكانتها الاعتبارية في الشرق الإفريقي.

النظام الكابراني وجمهوريته السرابية، كان يمني النفس أن تبقى كينيا وفية لموقفها التقليدي، حتى يسمموا العلاقات بين الرباط ونيروبي، كما سمموها مع تونس وسعيدها، لكن “يافرحة ما تمت”، لينقلب السحر على السحرة والكهنة والمريدين والأتباع، ليرجع من كينيا بخفي حنين “صغيرا” و”ووضيعا” و”حقيرا” و”يائسا”، بل و”أضحوكة” بين الأفارقة، الذين باتوا يدركون أن الحاضر والمستقبل مرتبطان بالجنوح نحو الوحدة والاستقرار والبناء والنماء والعيش الإفريقي المشترك، وليس في الخوض في طقوس الدسائس والمؤامرات والفتن والنعرات، والتي لم تجلب لإفريقيا وشعوبها، إلا المزيد من الفقر والضعف والتشرذم والشتات والهلاك.

نيروبي بعد الموقف الجديد الذي نزل بردا وسلاما على كهنة المرادية ومريديهم وأبواقهم، يأتي في سياق الزخم الدبلوماسي الذي تشهده قضية الوحدة الترابية للمملكة، منذ الاعتراف الأمريكي التاريخي بمغربية الصحراء، وما تلاه من “زحزحة دبلوماسية” إقليمية ودولية، فرضت على الكثير من الدول الوازنة الخروج من المنطقة الرمادية، بالإقرار بمغربية الصحراء وبسيادة المغرب على كافة ترابه، كما يأتي في ظل اتساع دائرة “سحب الاعترافات” بالجمهورية الوهمية المدعومة قلبا وقالبا من قبل نظام السوء، واستقراء لهذه المتغيرات وغيرها، نستطيع القول، أن قضية الصحراء المغربية تعيش آخر منعرج لها، و”جمهورية السراب” التي لا توجد إلا في العقول الصغيرة للنظام الحاضن والداعم لها، تمضي في اتجاه الطرد النهائي من الاتحاد الإفريقي، وهذا الطرد الوشيك، سيشكل بدون شك، نقطة نهاية لنزاع مفتعل، استثمرت فيه الجزائر كل قدراتها ومدخراتها على حساب مصالح وقضايا وتطلعات الشعب الجزائري، والنتيجة المرعبة “صحراء في مغربها ومغرب في صحرائه” ونظام جزائري مارق، لم يحصد إلا الشر والكراهية واليأس والبؤس، ولم يزد واقع العروبة، إلا أزمة وتعقيدا وتشرذما، في ظل واقع جيوسياسي إقليمي ودولي، لايؤمن إلا بلغة الوحدة والاندماج، ومفردات المصالح المشتركة وفق قاعدة “رابح رابح”.

الدبلوماسية المغربية وبعد كسب الموقف الكيني بكل دلالاته الجيواستراتيجية، لابد أن تستمر في سياسة “الفتوحات الدبلوماسية”، عبر استهداف الدول الإفريقية التي لازالت تقف موقف “المحايد” أو “المتردد” أو “الداعم” بشكل علني لأطروحة الانفصال، ونرى أن أكبر تحدي للرباط في الحلبة الإفريقية، هو الاشتغال على جبهة “جنوب إفريقيا” باعتبارها آخر القلاع الحصينة والمنيعة للجزائر ودميتها البوليساريو، وأي اقتحام لهذه القلعة، سيكون ما يشبه بالفتح المبين، الذي سيعجل بسقوط الجمهورية المزعومة، وسواء تيسر الاقتحام الجنوب إفريقي أم استعصى في الوقت الراهن، فالرهان الأكبر، يرتبط بالوصول إلى عتبة الثلثين من الأصوات الإفريقية الداعمة لمغربية الصحراء في الاتحاد الإفريقي، حينها، لن يتردد المغرب، في إشهار سلاح “الطرد” في وجه “صعاليك تندوف” الذين باتوا “جرثومة خبيثة” مهددة لوحدة وأمن واستقرار إفريقيا، والتحرك عربيا وإقليميا ودوليا، في اتجاه إعلان “البوليساريو” جماعة إرهابية.

نختم بالقول أن “التبنديرة” القادمة من نيروبي، ذكرتنا وتذكرنا ب”التبنديرة” التي تلقاها قبل أشهر، القيادي في عصابة تندوف المدعو “الداه البندير” الذي اصطادته ومرافقيه، طائرة “درون” مغربية، ومنذ تلك “التبنديرة” الشهيرة، لم يعد ممكنا بالنسبة لصعاليك تندوف القيام بأعمال استفزازية على مستوى الحدود المغربية، بعدما “ثبت” لهم “هلال” الدرونات المغربية، التي لا تعرف إلا “التبندير” ولا شيء غيره، أما “الدبلوماسية المغربية” التي يقودها بحكمة وصمت وتبصر الملك محمد السادس، فيبدو أنها سترفع من وثيرة “التبندير الدبلوماسي” بعد النجاح في اقتحام “قلعة نيروبي”، على بعد أمثار قليلة من نهاية حكاية عنوانها العريض “جمهورية الوهم والسراب”، ومهما قيل أو ما يمكن أن يقال “فالمغرب في صحرائه والصحراء في مغربها”، أما النظام الكابراني وأزلامه وأبواقه، فهنيئا لهم ببنوة “صعاليك تندوف”.

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى