في الواجهةكتاب السفير

مول “السبسي”

بقلم : عزيز لعويسي

لا أعرف البدايات الأولى، وربما أجهل حتى النهايات، وبين البدايات والنهايات، تحضر قصتي مع الإدمان وتحضر معها خيوط حكايتي الغريبة مع “السبسي” الذي بات طيفي، بل ورفيق دربي في الحركات والسكنات، يحملني كالمطر زخات زخات، وينقلني على البساط، من جزر الواقع الرتيب، نحو ضفاف الخيال الواسع، حيث لاصوت يعلو على صوت الأفكار الشاردة ، والكلمات المتمردة التي تطاردني كنيازك العشق وشهب الهيام، فأجد نفسي تائها شاردا بين دروب الخيال وزقاقات الإبداع الكاسح، كأنني عنترة في زمانه، أو “مجنون ليلى” تأخر به الزمان.

في لحظات التمرد والقلق واليأس، أحاول أن أتمرد على وصايته علي، أن أعلن العصيان بحثا عن طوق النجاة، لأكون كما أنا، حرا طليقا وسليما معافا، لا أخضع لأية وصاية إلا وصايتي ولا لأية سلطة، إلا لسلطتي، حاولت مرارا وتكرارا أن أحطمه إلى شظايا وأشلاء، لأعيش حياة غير الحياة، لكن كلما بادرت أو تشجعت أو حتى تجرأت، أحس أن أيادي خفية، تتحكم في حركاتي وسكناتي تمنعني من التحرك ووضع الرجل الأولى على مضمار الخلاص، بل أحس أنني أبقى عاجزا شاردا وخاضعا، بل عاشقا ولهانا، تتوقف عقارب مشاعره وعجلة أفكاره، لما يكون وجها لوجه أمام محراب الغرام.

مع مرور الأيام والليالي، قبلت بالأمر الواقع بروح رياضية، بعدما تأكدت أن بيني وبينه علاقة إدمان يتعذر قطعها، مهما بلغت شطارة الطبيب أو فعالية المسكنات، وقصة عشق لم أجد لها وصفا ولا تفسيرا ولا حتى تحليلا، فإذا كان العشاق يجدون ضالتهم في طقوس الهيام، بل وإذا كان السكارى يقبلون على الحانات بشغف المتيمين والمحبيــن، فأنا أقبل على “السبسي” بتقوى الزهاد والنساك والوعاظ، وأتيه بين ضفافه، كما يتيه السكارى في الدروب والزقاقات، بات طيفي ورفيقي ومؤنسي، وطقسا من طقوسي الخاصة، بل بات هو الطقس ذاته وعينه، الذي يمنحني سفرا اعتياديا بين شعاب الكلمات والأفكار بدون قيود شرطة أو حواجز جمارك، كما يمنحني سلطة البوح والإبداع والإشعاع.

لم تعد تحلو لي جلسة في مقهى، أو فنجان قهوة “موس بلونش” أو حتى براد شاي منعنع، أو جلسة سمرية إبداعية في البيت، أو حتى سفرا مفاجئا مثن القطار السريع، إلا به، بل وفي ظل حضرته، وكأنه شيخ الزهاد والمتضرعين والعاشقين، ولم أجد من تشخيص لحالتي، إلا لقب “مول السبسي” الذي جعلت منه عنوانا لهذا المقال، وهو عنوان مثير بدون شك، قد يجذب عيون المدمنين الغارقين في وحل الإدمان، وقد يحرك شهية السكارى الذين تعودوا الاعتكاف لساعات في الحانات، بل وقد يشد انتبـاه القراء والمتتبعين، وحتى الباحثين عن الأخبار الساخنة، ولكل هؤلاء أقول، أن “السبسي” هو “القلم” وقصة إدماني بدأت مع الكتابة والإبداع، وبهذا “السبسي” أو “القلم” كتبت العشرات والعشرات من مقالات الرأي التي تجاوزت لحدود اللحظة، عتبة “410” مقالا زائد “مؤلف” حول الأرشيف، و”مزال العاطي يعطي”، وأقمت جسور تواصل مع مجموعة من القراء الأوفياء عبر جملة من الجرائد الورقية والمواقع الإلكترونية، وفتحت قنوات تعارف مع بعض الإعلاميين من مدراء نشر ورؤساء تحرير وصحافيين، ولو كانت لي سلطة على نفسي، لطرحت “السبسي” جانبا لأرتاح ولو قليلا من طقوس الكتابة والنشر، أو لتخلصت منه بالمرة، حتى لايمارس علي الوصاية أو يستنزف طاقتي وقدراتي في التخيل والتفكير والإبداع ، لكن وكما يقال “مكره أخاك لا بطل”.. إنها “سلطة السبسي” وعشق الكلمات ونشوة الإبـداع.

رغم سلطة السبسي علي، أعترف أن الكتابة ليست بالهينة، وطريقها حبلى بالمتاعب والمشاق والآهات، فالقارئ الذي يتوقف عند مقال منشور ورقيا أو إلكترونيا، لابد أن يدرك أن وراءه جهدا في التفكير ومشاقا في إدراك رؤية المعالجة والتحليل، ومتاعب في التحرير، بكل ما لذلك من هدر للزمن وأثار نفسية وجسدية ومادية أحيانا، خاصة لما تكون الكتابة بإيقاع يومي أو شبه يومي، وهذا الواقع، يقـوي في أحيان كثيرة، الرغبة في الكفاح لإدراك الحرية والاستقلال، أو تقديم الاستقالة أو حتى المغادرة الطوعية في صمت… كان معكم “مول السبسي” من مدينة لم يتبق من زهورها إلا الأشـواك .. نجانا الله وإياكم من خطر الإدمان.. أطيب المنى .

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى