في الواجهةكتاب السفير

قراءة في مستجدات القانون 55-19 المتعلق بتبسيط المساطر والإجراءات الإدارية

isjc

* د. يسين العمري

ثارت مؤخراً لدى المرتفقين مجموعة من التساؤلات بخصوص مسألة إلغاء المصادقة على الوثائق، وأدلى المواطن العادي بدلوه في النقاش، وجرى تداول مجموعة من الأفكار المغلوطة لدى الشارع المغربي والرأي العامّ بهذا الخصوص، ممّا يجعل من هذا المقال محاولة من جهة للمشاركة في النقاش الدائر والتفاعل معه، ومن جهة أخرى محاولة تصحيح بعض الأفكار المسبقة المغلوطة في هذا المضمار.

أولاً إنّ الفلسفة أو التوجّه من وراء سنّ هذا القانون، هو محاولة تجاوز الصورة النمطية السلبية للإدارة في تصوّر المرتفق، سواء المواطن العادي أو المستثمر، الذي يحمّل في مرّات كثيرة مسؤولية تعثّر مصالحه إلى الإدارة، باعتبارها المسؤولية عن عرقلته أو عرقلة الاستثمار، وبالتالي فهذا القانون يهدف بالأساس إلى تعزيز الثقة بين المرتفق (المواطن العادي أو المستثمر) وبين الإدارة.

ثانياً قطع هذا القانون مجموعة من المراحل، قبل أن يخرج في صيغته النهائية على شكل ظهير ملكي شريف، لذلك فقد أصبح ملزماً للإدارة، وبالتالي فإنّ الإخلال به أو بأحد بنوده يعرّض الإدارة للمساءلة، والمواطن الحالي بات أكثر إصراراً على أخذ حقّه، ولو كان ذلك في بعض الأحيان بالباطل.

ثالثاً: هناك بوابة إلكترونية مفتوحة تمّ إحداثها تخصّ جميع القطاعات (الصحة، الأمن، الجبايات… إلى آخره)، يمكن اعتبارها دليلاً للمساطر الإدارية، وهنا عندما نقول مساطر فالأمر جدّ تقني، وقد يراه البعض معقّداً من جهة الشكل والمضمون، لكنه في الحقيقة غير ذلك، لأنّه يبيّن بدقّة الوثائق التي ينبغي الإدلاء بها للحصول على وثيقة إدارية معيّنة، بحيث بات يكفي الإطّلاع على البوّابة، عوض التوجه إلى الإدارة المعنية للسؤال عن الوثائق المطلوبة، لكن هذا لم يتأتّ إلا بعد مجهود معتبر، فمثلاً في بعض الوزارات تطلّب الأمر عشرات القرارات للوصول إلى الصيغة المعتمدة النهائية للوثائق المطلوبة للحصول على كلّ وثيقة إدارية على حدة.

هذا الأمر سيوفّر على المرتفق عبء إحضار وثائق مضافة من اجتهاد الإدارة أو الموظف المكلف، ذلك أنّ كلّ إدارة كانت تطلب وثائق معيّنة وكلّ موظّف يقوم بنفس الشيء، وبالتالي فهذا القانون جاء ليضع حدّاً لكلّ تلك الاجتهادات، فالموظف يكون أحياناً أو يريد أن يكون أكثر حرصاً على تطبيق القانون من القانون نفسه، لذلك ربما يجتهد بحسن نية ويقوم بطلب وثائق أخرى إضافية، لكن هذا الاجتهاد في هذه الحالة مجانب للصواب، فالموظف ملزم بتفادي الاجتهاد في ظلّ وجود نصّ قانوني يؤطّر ما هو مطلوب لاستصدار وثيقة إدارية ما.

رابعاً: باتت الإدارة ملزمة بتسريع وتيرة البتّ في الملفات المطروحة على أنظارها قصد اتخاذ قرارات إدارية فيها داخل آجال محدّدة يجب احترامها بقوّة القانون، إما داخل أجل 30 يوما في بعض الأمور أو 60 يوماً في أمور أخرى محددة في القانون المذكور، وتحتسب تلك الآجال من تاريخ وضع المرتفق لملفه بالإدارة المعنية، وحصوله على وصل بالإيداع، وعلى الإدارة إذن التعاطي مع إشكالية الآجال تفادياً للشكايات بمختلف المصالح الإدارية والمنازعات القضائية، وفي هذا الصدد وجبت الإشارة إلى أنّ هناك قرارا فورية، وقرارات أخرى لا يمكن البتّ فيها فوراً لأنّها تحتاج إلى الدراسة.

هذه النقط الأربعة التي ذكرت تبقى نظرية، بانتظار ما سيفرزه الواقع العملي من تساؤلات وعيوب وانتقادات، لكن الأكيد هو حرص الدولة على تنزيل هذا الورش المتعلّق بتبسيط الإجراءات والمساطر الإرادية، ممّا يعكس إرادتها الحازمة والجازمة لإصلاح الإدارة والتغلّب على معيقات هذا الإصلاح، ففي كلّ القطاعات هناك دوريات بلغت في بعض القطاعات 6 أو 7 دوريات وزارية تحثّ موظفيها والعاملين تحت لوائها على نشر وشرح هذا القانون، ممّا يعكس مرّة أخرى حرص المصالح المركزية على تنزيل القانون المذكور، وملحاحية ذلك في أقرب وأحسن الظروف.

كذلك وجبت الإشارة إلى أنّ هذا القانون يفترض في المرتفق حسن النية، لذلك سأتكلّم هنا عن حالتين معيّنتين ليفهم القاريء الكريم المقصود بهذه الفكرة، فمثلاً الشهادة الإدارية للخطوبة التي يمنحها عون السلطة (المقدّم) تم إلغائها، وتعويضها بطلب موقّع من المعني بالأمر مرفق بتصريح شاهدين اثنين، ربّما قد يستغلّ البعض هذا المستجدّ مثلا للقيام بتعدد الزوجات، لذلك فحسن النية المفترض في المواطن، يجب أن يكون هو المبدأ الحاكم لهذا التوجه الجديد، وبمفهوم المخالفة فإنّ المرتفق سواء كفرد أو كشركة تثبت لديه سوء النية أو الإدلاء بمعلومات مضللة أو خاطئة أو تحايلية تدليسية، فسيقع تحت طائلة القانون، ولن يفلت من العقاب.

أنتقل إلى المثال الذي يتحدّث عنه الجميع وهو مسألة ما سمي بإلغاء المصادقة على الوثائق، كلّ ما في الأمر أنّ الإدارة لن تطلب وثائق مصادقاً عليها، لكن من حقّ المواطن متى يريد أن يتوجه للإدارة للمصادقة على نسخ مطابقة للأصل، ولا حقّ للإدارة في رفض طلب المرتفق، كما أنّه وجب التوضيح إلى أنّ القانون ترك هامشاً للموظف لإعمال سلطته التقديرية حسب قناعاته في مسألة المصادقة (Légalisation)، حيث من حقّ الموظّف أو ضابط الحالة المدنية أن يطلب من المرتفق إطلاعه على الوثيقة الأصلية ليراها بعينيه، أو الإدلاء بنسخة مطابقة للأصل، أو الإدلاء بتصريح بالشرف، وهناك حالياً مشروع تصريح بالشرف موحد قيد الإنجاز.

هذا الأمر في تقديري يقتضي التنسيق بين الإدارات لتوحيد هذا الأمر، بمعنى عدم طلب وثائق مصادق عليها، بالخصوص الجامعات في فترة الدخول الجامعي، كما أنّ الإدارات شبه العمومية مطالبة بالانخراط بقوّة كذلك في هذا الورش الإصلاحي، الذي ينتظر أن يعود على الإدارة والمواطن بالنفع العميم، من ناحية اختصار الوقت وترشيد المجهود والحصول على الوثائق الإدارية المطلوبة في وقت معقول، دون مغالاة لا بالتهوين ولا بالتهويل.

ومن الأمور الممكن التعاطي معها كذلك في المستقبل مسألة الانفتاح على التوقيع الإلكتروني، ففي بعض الدول التي بينها وبين المغرب اتفاقيات في بعض المجالات كالزواج المختلط مثلاً، وبها جاليات مغربية معتبرة، نذكر فرنسا كمثال هناك العمل بالتوقيع الإلكتروني عوض التوقيع بالقلم، وهنك أيضاً مسألة شهادة الحياة من ضمن الوثائق المطلوبة في بعض الإجراءات التي تخصّ الجالية المغربية المقيمة بالخارج، ممّا يستوجب أخذ هذا المعطى بعين الاعتبار، والمعلوم في القانون أنّ الاتفاقيات الدولية أسمى من القوانين الداخلية.

وتجدر الإشارة هنا وهذا أمر في غاية الأهمية ووجب الاحتياط بخصوصه، فهذا القانون الخاص بتبسيط المساطر لا يلغي باقي القوانين الأخرى التي تطلب وثائق معيّنة من المرتفق و لا يحلّ محلّها مثل قانون الصفقات العمومية على سبيل المثال لا الحصر، لكن هذا القانون بالأساس يحيل على البوابة الإلكترونية، بانتظار إيجاد تسمية أوصيغة موحّدة “Nomenclature” تجمع في طياتها المساطر.

دارس ومهتمّ بالقانون المقارن*

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى