في الواجهةكتاب السفير

الأمن الطاقي في المغرب… بين طموح الانتقال ورهان الاستقلال

الأمن الطاقي في المغرب... بين طموح الانتقال ورهان الاستقلال

السفير 24- طامو مفضال | باحثة في القانون العام

لم يعد الأمن الطاقي في المغرب مجرد ملف تقني يهم المختصين فقط، بل أصبح قضية استراتيجية تفرض نفسها ضمن أولويات السياسات العمومية. فالسؤال الذي يطرح اليوم هو: إلى أي حد يستطيع المغرب تأمين حاجياته من الطاقة، وتقليص تبعيته للأسواق الخارجية، في ظل التحولات المتسارعة التي يعرفها العالم والاضطرابات المتكررة في أسواق الطاقة؟ الواقع يبين أن المملكة حققت خطوات مهمة في هذا المجال، لكنها لم تصل بعد إلى مستوى يضمن أمنا طاقيا متكاملا.

تكمن الإشكالية في أن المغرب يوجد أمام معادلة معقدة. فمن جهة، تتبنى الدولة رؤية واضحة تقوم على تطوير الطاقات المتجددة، والاستثمار في الهيدروجين الأخضر، وتعزيز البنية التحتية الكهربائية، إلى جانب مشاريع الغاز والتخزين. ومن جهة أخرى، لا تزال البلاد تعتمد بشكل كبير على استيراد مصادر الطاقة، خاصة المحروقات، وهو ما يجعل الاقتصاد الوطني يتأثر مباشرة بأي ارتفاع في الأسعار أو اضطراب في سلاسل التوريد. لذلك، ورغم تعدد المشاريع الاستراتيجية، فإن التبعية للخارج ما تزال قائمة بدرجات متفاوتة.

ولا يمكن تجاهل ما تحقق خلال السنوات الأخيرة من تقدم في مجال الانتقال الطاقي. فقد عرف إنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية والريحية توسعا ملحوظا، كما ارتفعت مساهمة الطاقات المتجددة في المزيج الكهربائي الوطني، إضافة إلى إطلاق مشاريع جديدة مرتبطة بالتخزين وتطوير الشبكات. غير أن امتلاك رؤية طموحة لا يكفي وحده لتحقيق الأمن الطاقي، لأن نجاح هذه الرؤية يظل مرتبطا بسرعة تنفيذ المشاريع وتحويلها إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن والمقاولة والقطاع الصناعي، من خلال توفير طاقة مستقرة، وبأسعار معقولة، وفي مختلف الظروف.

وفي المقابل، فإن الاعتماد على الطاقات المتجددة، رغم أهميته، لا يعني أن جميع التحديات قد تم تجاوزها. فهذه الطاقات تبقى مرتبطة بعوامل طبيعية تجعل إنتاجها غير منتظم، وهو ما يفرض الاستثمار في وسائل التخزين، وتطوير الشبكات الذكية، وتعزيز قدرات نقل وتوزيع الكهرباء. لذلك، فإن تحقيق الأمن الطاقي لا يرتبط فقط بزيادة الإنتاج، بل يتطلب أيضا بنية تحتية قوية وتخطيطا بعيد المدى يضمن استمرارية التزويد بالطاقة بكفاءة وفعالية.

أما الغاز الطبيعي، الذي أصبح يحظى باهتمام متزايد باعتباره مصدرا انتقاليا للطاقة، فإنه يطرح بدوره مجموعة من التساؤلات. صحيح أنه يمكن أن يساهم في دعم المنظومة الطاقية خلال المرحلة الانتقالية، إلا أن الاعتماد عليه بشكل كبير قد يؤدي إلى استمرار أشكال أخرى من التبعية إذا لم يكن جزءا من سياسة وطنية متكاملة.

لذلك، فإن الرهان الحقيقي لا يكمن في تغيير مصدر التبعية، وإنما في بناء استقلالية نسبية تقوم على تنويع مصادر الطاقة، وتشجيع الاستثمار الوطني، وربط مشاريع الطاقات المتجددة بالنسيج الصناعي، مع دعم البحث العلمي وتطوير الكفاءات والتقنيات الوطنية.

ومن هذا المنطلق، يبدو أن تعزيز الأمن الطاقي بالمغرب يقتضي اتخاذ قرارات أكثر جرأة، تقوم على تحسين الحكامة، وتقوية التنسيق بين مختلف المؤسسات، وتسريع إنجاز المشاريع المبرمجة، مع ربط السياسة الطاقية بالسياسات الصناعية والاقتصادية والاجتماعية. فقطاع الطاقة لم يعد قطاعا معزولا، بل أصبح عنصرا أساسيا في تحقيق النمو الاقتصادي، وتعزيز التنافسية، وترسيخ مقومات السيادة الوطنية.

وفي المحصلة، يمكن القول إن المغرب يسير بخطوات ثابتة نحو تعزيز أمنه الطاقي، غير أن الطريق ما يزال يتطلب مزيدا من العمل والإصلاح. فالتحدي اليوم لا يقتصر على تدبير حاجيات الحاضر، بل يتمثل في بناء منظومة طاقية أكثر قدرة على مواجهة الأزمات، وأكثر استقلالية في المستقبل، بما يضمن للمملكة أمنا طاقيا حقيقيا يدعم تنميتها ويعزز سيادتها.

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى