كتاب السفيرفي الواجهة

الطريق التي تخشى الاعتراف بجرحها: نقد خطاب الوحدة في الزاوية البودشيشية بعد الانقسام

الطريق التي تخشى الاعتراف بجرحها: نقد خطاب الوحدة في الزاوية البودشيشية بعد الانقسام

le patrice

السفير 24 – بقلم: ذ. العقيلي عبد الفتاح

في زمنِ الأزمات الكبرى لا تكون أخطرُ الكوارث هي الانقسام نفسه، بل إنكارُ وجوده. لأن الجماعة حين تعترف بجرحها تبدأ رحلة العلاج، أما حين تُصرّ على أن الجرح غير موجود، فإنها تتحول بالتدريج إلى كيانٍ منشغلٍ بحماية صورته أكثر من انشغاله بحماية حقيقته.

ولهذا لم يكن أكثر ما أثار الانتباه في المقالين الأخيرين المنشورين دفاعًا عن “الطريقة” هو ما قيل فيهما، بل ما تمّ تجاهله بعناية. فالقارئ الذي عاش داخل هذه التجربة الروحية لعقود، وخبر رجالها وأحوالها وتحولاتها، لا يمكنه إلا أن يتساءل: كيف يُقدَّم المشهد وكأن الجماعة تعيش وحدةً مطلقةً وطمأنينةً كاملة، بينما يعرف القريب والبعيد أن الطريق قد انقسم فعلًا، وأن الجرح أعمق بكثير من أن تُخفيه لغةُ البيانات والصور الجماعية؟

إنّ المشكلة الحقيقية ليست في أن يختلف الناس بعد وفاة شيخٍ كبير؛ فهذا أمر عرفته أغلب الطرق والتجارب الروحية عبر التاريخ. وإنما المشكلة حين يُختزل كل ذلك الإرث الروحي الطويل في وثيقةٍ متأخرة، ويُطلب من الناس أن ينسوا ما عاشوه بأعينهم لعشرات السنين، فقط لأن “الوصية” قالت ذلك.

لقد كان داخل الطريق — في الواقع المعيش لا في الأوراق — رجالٌ عُرفوا بحمل أثقال التربية، والقيام على شؤون المريدين، وربط القلوب بالشيخ، وحراسة المعنى الداخلي للطريقة. وكان من هؤلاء من عاش عمره كله في خدمة الطريق دون صخب، حتى صار حضوره جزءًا من توازنها الروحي والنفسي والتنظيمي. وكان المريدون يرون بأعينهم موقعه الحقيقي في قلب الشيخ، وفي قلب الجماعة، وفي حركة الطريق اليومية.

ولذلك فإنّ جوهر الأزمة لم يكن مجرد رفضٍ لاسمٍ بعينه، بل الصدمة التي شعر بها كثير من المريدين حين وجدوا فجأة مسافةً واسعة بين ما عاشوه لعقود داخل الطريق، وبين الصورة الجديدة التي طُلب منهم التسليم بها دفعةً واحدة. لأنّ كثيرًا ممن عاشوا التجربة عن قرب كانوا يرون “شيخ المعنى” الامتداد الطبيعي لحركة التربية داخل الزاوية، بحكم حضوره الطويل في حمل شؤون المريدين، وربط الناس بالشيخ، والإشراف على تفاصيل الطريق اليومية. ولهذا لم يكن الانقسام مجرد خلاف تنظيمي، بل كان عند كثيرين اهتزازًا في الفهم نفسه: كيف يمكن أن تتجه المشيخة في مسارٍ آخر لا يشبه ما عاشته القلوب سنوات طويلة؟

وفي المقابل، كان هناك من ظلّ حضوره مرتبطًا أكثر بالمحيط الخارجي، وبالعلاقات والصور والتحركات الجانبية، دون أن يكون هو المركز الحقيقي للتربية الروحية داخل الطريق. بل إنّ بعض القريبين من التجربة يعرفون جيدًا أن العلاقة لم تكن دائمًا مستقرة ولا منسجمة كما يُراد تصويرها اليوم.

ولهذا فإنّ الأزمة الحالية ليست أزمة “أشخاص”، بل أزمة معنى. لأن السؤال الذي انفجر بعد وفاة الشيخ لم يكن: “من ذُكر اسمه في الوصية؟”، بل كان سؤالًا أخطر بكثير: من يحمل فعلًا روح الطريق؟ من عاش همّها؟ من حمل أثقالها؟ من ربط الناس بالمعنى لا بنفسه؟ ومن كان وجوده امتدادًا طبيعيًا لما عرفه المريدون طوال عقود؟

إنّ الذين يتحدثون اليوم وكأنّ كل شيء قد حُسم بسلاسة يتجاهلون حقيقة يعرفها الجميع: الطريق انقسمت فعلًا. فهناك من تبع “شيخ الوصية”، وهناك من رأى أن الوفاء الحقيقي للطريق يقتضي الالتفاف حول “شيخ المعنى”. وهناك أيضًا من غادر أصلًا بعدما شعر أن المشهد لم يعد يشبه ما عاشه سنوات طويلة.

وهذه الحقيقة لا يمكن محوها بالمقالات، ولا بالصور الجماعية، ولا بخطاب الطمأنة المتكرر. لأن الانقسام حين يصل إلى القلوب لا تعالجه البلاغات، بل تعالجه الحقيقة.

ثم إنّ السؤال الذي يتهرب منه الجميع هو: لماذا احتاجت الجماعة أصلًا إلى كل هذا الإصرار على خطاب الوحدة؟ لماذا هذا التكرار المتواصل لعبارات الطمأنينة والاستمرار والشرعية والتماسك؟ أليس الخطاب المبالغ في طمأنته دليلًا أحيانًا على خوفٍ داخلي من انهيار تلك الطمأنينة نفسها؟

إنّ الجماعات الواثقة لا تُكثر من إعلان ثقتها. والشرعية الراسخة لا تحتاج كل يوم إلى إثبات وجودها عبر المقالات والردود والصور.

ثم إنّ من عاشوا قريبًا من مركز الأحداث يعرفون أن المسألة لم تكن بهذه البساطة التي تُعرض بها اليوم. فالكثير من المريدين البعيدين عن مركز القرار لم يكونوا مطلعين على الملابسات الداخلية، فتبعوا الرواية الرسمية بحسن نية وبسلامة صدر. بينما كان آخرون، من القريبين من التفاصيل، يعيشون صراعًا داخليًا مؤلمًا بين ما يُطلب منهم تصديقه، وما عاشوه فعليًا سنوات طويلة.

وهناك أيضًا من اختار الاصطفاف لا اقتناعًا كاملًا، بل حفاظًا على مصالح، أو مواقع، أو شبكات قربٍ ونفوذ، وهي ظاهرة عرفتها أغلب الأزمات الروحية في التاريخ حين تختلط الرمزية الدينية بالمكانة الاجتماعية والمصالح البشرية.

لكنّ أخطر ما في الأمر كله ليس الانقسام ذاته، بل محاولة تحويل الطريق من مدرسةٍ لتزكية النفس إلى مؤسسةٍ منشغلة بإدارة الصورة العامة. لأن الطريق حين تصبح مهمتها الأساسية حماية “الهيبة” بدل حماية “الحقيقة”، تبدأ بالتدريج في فقدان روحها حتى لو بقي اسمها قائمًا.

فالطرق الروحية لا يحفظها الإرث العائلي وحده، ولا الوثائق وحدها، ولا الإجماع الظاهري وحده. إنما يحفظها الصدق، وحمل المعنى، والقدرة على تربية القلوب، والبقاء أوفياء للروح الأولى التي قامت عليها.

ولهذا فإنّ كثيرًا من المريدين لا يرون أنفسهم خارجين عن الطريق حين رفضوا التسليم الكامل بالمشهد الحالي، بل يرون أنفسهم — على العكس — يحاولون حماية الطريق من الانزلاق نحو شيء آخر لا يشبه الروح التي عرفوها وعاشوا فيها عشرات السنين.

إنّ الأزمة الحقيقية اليوم ليست أزمة “من يحكم الجماعة”، بل أزمة: هل بقيت الجماعة وفيةً لمعناها أصلًا؟

وهذا سؤال لا تجيب عنه المقالات، ولا البيانات، ولا حملات التطمين. بل تجيب عنه الأيام، والأحوال، وما يبقى حيًا في القلوب بعد أن يهدأ ضجيج الصورة والكلمات.

فقد تنجح الجماعات طويلًا في حماية صورتها، لكنها لا تستطيع إلى الأبد إخفاء المسافة التي تبدأ بالنمو بين الاسم والحقيقة، وبين بقاء الهيكل ورحيل الروح.

 

إعلان gardenspacenouaceur

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى