
السفير 24 – جمال اشبابي – باريس
بينما ينشغل العالم بتتبع مسارات الصواريخ، ينشغل ٱخرون بتتبع مسار الرجل الذي يبدو أنه يمتلك “عقد استئجار” مع ملك الموت، لكنه دائما ما يفسخه في اللحظة الأخيرة. نتحدث عن إسماعيل قآني، خليفة سليماني، الذي تحول من قائد لـ “فيلق القدس” إلى بطل خارق في فن “الاستغماية” الجيوسياسية.
ما يثير الدهشة ليس نفوذ قآني، بل “نحسه” الذي يصيب كل من يجلس بجانبه، بينما يخرج هو ببدلة مكوية وابتسامة غامضة. خذوا عندكم هذه اللائحة التي تجعل “رأفت الهجان” يبدو كمبتدئ في عالم الجاسوسية:
مطار بغداد (2020): طارت سيارة قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس إلى الأشلاء، وقيل إن قآني كان “على بعد مكالمة” أو “في الطائرة التالية”. المهم أن سليماني رحل، وقآني استلم الختم.
دمشق (القنصلية – 2024): سويت القنصلية بالأرض، قُتل محمد رضا زاهدي ورفاقه السبعة. أين كان قآني؟ يقال إنه غادر الغرفة قبل الغارة بـ “خمس دقائق” لشرب الشاي، أو ربما لتفقد الطقس في طهران.
الضاحية الجنوبية (2024): سقط نصر الله، ثم سقط صفي الدين في مخبأ محصن. انتشرت أخبار عن “اختفاء” قآني، ثم “مقتله”، ثم “التحقيق معه”. فجأة، يظهر الرجل في جنازة رسمية وهو يمسح دموعه بمنديل حريري، وكأنه يقول: “أنا هنا.. فمن التالي؟”
هذا المشهد السريالي يعيدنا بالذاكرة إلى “حجاية” مغربية من زمن “الحماية” الفرنسية، حكاية قد تفسر لنا لغز قآني. يُحكى أن مسجدا في إحدى المدن المغربية العتيقة كان يؤمه شيخ جليل، ورع، يتقن مخارج الحروف لدرجة تجعل المصلين يبكون خلفه لسنوات.
بمجرد أن رُفع العلم المغربي وأعلن الاستقلال، اختفى “الفقيه”. لم يترك خلفه سوى رسالة صغيرة في “المحراب” تقول:
“أيها المصلون.. صلاتكم باطلة منذ سنوات، فقد كنتم تأتمون بجاسوس من المخابرات الفرنسية! حظا سعيدا في إعادة قضاء الصلوات.”
في طهران اليوم، يتساءل البعض بخبث: هل قآني هو “الفقيه الفرنسي” الخاص بالمرشد؟ هل هو “رأفت الهجان” الإيراني الذي يعمل لحساب طرف لا نعرفه؟
الرجل ينجو من الغارات، ينجو من التفجيرات، وينجو حتى من أجهزة كشف الكذب. إنه الشخص الوحيد الذي يمكنه حضور جنازته الخاصة، ثم العودة إلى المكتب لتوقيع فواتير “البخور”.
ربما في نهاية المطاف، سيترك لنا قآني رسالة في مكتبه بـ “ميدان الأرجنتين” بطهران، يقول فيها: “لقد كانت كل تلك الاستراتيجيات باطلة.. أنا في الحقيقة كنت مجرد سائح فرنسي يحب الشوارما!”



