دوليةفي الواجهةكتاب السفير

سابقة تاريخية: سقوط حكومة بايرو عبر تصويت الثقة

سابقة تاريخية: سقوط حكومة بايرو عبر تصويت الثقة

REGION CASA SETTAT

السفير 24 – جمال اشبابي – باريس

لأول مرة في تاريخ الجمهورية الخامسة، تسقط حكومة فرنسية عبر تصويت الثقة الذي طلبه رئيسها بنفسه. ففي جلسة استثنائية للجمعية الوطنية بباريس، يوم الاثنين 8 شتنبر 2025، صوّت 364 نائبا ضد منح الثقة لفرانسوا بايرو، مقابل 194 نائبا فقط لصالحه. هذه النتيجة الساحقة أنهت تجربة بايرو القصيرة على رأس الحكومة، وجعلته أول رئيس وزراء يطيح بنفسه عبر الآلية الدستورية التي كان يأمل أن تكرس شرعيته. وقد أعلن أنه سيقدم استقالته صباح الثلاثاء في تمام الساعة الثامنة إلى الرئيس إيمانويل ماكرون.

رغم أن حكومات سابقة واجهت صعوبات في الجمعية الوطنية، إلا أن أيا منها لم يسقط عبر تصويت الثقة. ففي عام 1962، واجه الجنرال ديغول أزمة مشابهة، لكن الحكومة استعادت زمام المبادرة. وفي 1992، صمدت حكومة بيريغوفوا أمام معركة الميزانية. سقوط بايرو اليوم يضعه في خانة استثنائية، ويكشف عن تراجع غير مسبوق في قدرة السلطة التنفيذية على تأمين حد أدنى من الدعم البرلماني.

تكشف نتائج التصويت بوضوح عن اصطفاف معارض واسع داخل الجمعية الوطنية، إذ صوت اليسار بكل أطيافه – من “فرنسا الأبية” إلى الاشتراكيين والشيوعيين والبيئيين – بشكل موحد ضد الحكومة، فيما انضم اليمين المتطرف الممثل في “الاتحاد الوطني” (RN) إلى جبهة الرفض، معتبرا أن الحل يكمن في الدعوة إلى انتخابات تشريعية مبكرة. أما حزب الجمهوريين (LR)، فقد بدا منقسما بين المعارضين والممتنعين، في صورة تعكس تردده وعدم قدرته على لعب دور بيضة القبان. وحدها بعض الكتل الوسطية القريبة من الرئيس ماكرون اختارت التصويت لصالح بايرو، غير أنها بقيت أقلية محدودة لم تؤثر في الموازين. ومن اللافت أن غياب كتلة وازنة من الممتنعين عن التصويت أظهر أن البرلمان لم يعد يقبل بسياسات المساومة، وأن أي حكومة مقبلة ستكون مضطرة إلى بناء تحالفات صلبة ومعلنة بدل الاكتفاء بتفاهمات هشة.

الحدث أبرز تقاربا ظرفيا بين اليمين المتطرف واليسار الراديكالي بقيادة “فرنسا الأبية”، اللذين التقيا في رفض سياسات بايرو المالية. جان-لوك ميلونشون وصف الحكومة بأنها “رهينة الإملاءات النيوليبرالية”، فيما شددت مارين لوبان على أن “إرادة الشعب أُسقطت مع هذا العجز الموروث عن ماكرون وبايرو”. ورغم اختلاف المرجعيات، فقد اتفق الطرفان على هدف واحد: إسقاط الحكومة وإضعاف الرئيس. هذا التحالف غير المعلن يعكس هشاشة الوسط السياسي، ويؤكد أن التناقضات الإيديولوجية يمكن أن تتلاشى عندما يتعلق الأمر بإضعاف السلطة التنفيذية.

بالتوازي مع السجال البرلماني، تعززت قوة الشارع مع حركة “إغلاق الكل” (Bloquons tout)، التي تستعد ليوم احتجاجي واسع في 10 شتنبر. الحركة، التي انطلقت من منصات رقمية دون قيادة مركزية، تحظى اليوم بتأييد يقارب 46% من الفرنسيين وفق استطلاعات الرأي، في مقابل 28% يعارضونها و26% يظلون غير مبالين. وتستند شعبيتها إلى ثلاثة دوافع رئيسية: تراجع القدرة الشرائية، رفض خطط خفض العجز، والنقمة العامة على السلطة التنفيذية. وقد أعلنت نقابات النقل والصحة والنفايات استعدادها للانخراط في يوم الإضراب، فيما دعت الحركة إلى شلل اقتصادي رمزي يشمل حتى الامتناع عن استعمال البطاقات المصرفية. سقوط الحكومة يمنح هذا الحراك زخما إضافيا، ويجعل الشارع طرفا مباشرا في معادلة السلطة.

تتجه الأنظار الآن إلى قصر الإليزيه، حيث ينتظر أن يعين الرئيس إيمانويل ماكرون خليفة لفرانسوا بايرو بسرعة من أجل تفادي فراغ حكومي يزيد الوضع تعقيدا. في مقدمة الأسماء المتداولة تبرز يايل براون-بيفيه، رئيسة الجمعية الوطنية، التي ينظر إليها كخيار مؤسساتي قوي، إلى جانب وزير الجيوش سيباستيان لوكورنو الذي يمتلك خبرة تقنية وسياسية معتبرة. كما يطرح اسم وزير الاقتصاد إريك لومبارد، الذي يحظى بقبول لدى الأوساط المالية، بينما لا تستبعد أيضا احتمالات عودة شخصيات سابقة إلى المشهد مثل جان كاستكس. هذه الترشيحات تعكس في جوهرها معركة سياسية دقيقة، حيث يسعى ماكرون إلى اختيار شخصية قادرة على تشكيل حكومة مستقرة وسط برلمان مشرذم ومعارضة متأهبة.

النتائج أظهرت أن ميزان القوة لا يميل بوضوح لا إلى اليمين ولا إلى اليسار. اليسار موحد في المعارضة، لكنه عاجز عن تشكيل أغلبية تتيح له قيادة الحكومة المقبلة. اليمين المتطرف قوي في المعارضة لكنه معزول تحالفيا. أما الجمهوريون فمترددون وعاجزون عن ترجيح الكفة. الوضع الراهن يجعل فرنسا تقف أمام سيناريو “لا غالب ولا مغلوب”، حيث تتنازع القوى دون أن يملك أي طرف القدرة على الإمساك بالسلطة منفردا.

بهذا التصويت التاريخي، تدخل فرنسا مرحلة جديدة من عدم اليقين: حكومة سقطت، معارضة متحفزة، شارع يغلي، ورئيس يبحث عن صيغة إنقاذ. معركة ما بعد بايرو ستكون اختبارا عسيرا لمؤسسات الجمهورية الخامسة، وربما فاتحة نقاش أوسع حول مستقبل النظام السياسي نفسه.

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى