كتاب السفيركلمة السفير

معاشات المتقاعدين المغاربة المتوفين.. ورقة انتخابية لليمين المتطرف الفرنسي

معاشات المتقاعدين المغاربة المتوفين.. ورقة انتخابية لليمين المتطرف الفرنسي

le patrice

السفير 24 – جمال اشبابي – باريس

يبدو أن فرنسا تعيش هذه الأيام على وقع هوس جديد: هوس المتقاعدين المغاربة والجزائريين. تقرير ديوان المحاسبة الفرنسي الأخير جاء ليقدم مادة دسمة لخصوم الهجرة، إذ ركز بشكل حصري تقريبا على هاتين الفئتين من المستفيدين من معاشات التقاعد الفرنسية في الخارج، وكأن الاختلالات لا توجد إلا حيث يوجد المهاجر المغاربي.

أرقام تحاكم الجاليات

الأرقام الواردة في التقرير مثيرة للانتباه بالفعل: المتقاعدون المغاربة، الذين يمثلون حوالي 6% فقط من العينة التي فحصت بين 2019 و2022، شكلوا 22% من الحالات غير المتوافقة. أما الجزائريون، فكانت نسبتهم 14% من الملفات الإشكالية رغم أنهم لا يمثلون سوى 4% من العينة. هذه الفوارق الإحصائية قدمت كدليل على “تمثيل زائد” لا يمكن تجاهله.

لكن ما غاب عن التقرير، أو ما فضل القضاة الماليون عدم تسليط الضوء عليه، هو أن هذه الأرقام لا تعني بالضرورة وجود شبكة كبرى من الاحتيال المنظم، بقدر ما تعكس هشاشة إدارية، صعوبة التحقق عبر الحدود، وأحيانا فجوة في تبادل البيانات بين فرنسا ودول الجنوب.

الملايين التي تستثمر سياسيا

ديوان المحاسبة قدر حجم الخسائر الناتجة عن الاختلالات بما بين 40 و80 مليون يورو سنويا في الجزائر، وبحوالي 12 مليون يورو في المغرب. صحيح أن هذه المبالغ مهمة، لكنها تبدو محدودة إذا ما قورنت بحجم الإنفاق الكلي: ففرنسا تحول سنويا ما يزيد عن 1,1 مليار يورو نحو الجزائر وقرابة 400 مليون يورو نحو المغرب في شكل معاشات تقاعدية. بمعنى آخر، حتى في أقصى التقديرات، لا يتجاوز الاحتيال سوى نسبة صغيرة من الكلفة الإجمالية، ومع ذلك جرى تقديمه للرأي العام وكأنه تهديد وجودي للنظام التقاعدي الفرنسي، أو “فضيحة مغاربية” تستحق الطوارئ.

أساليب احتيال مثيرة للجدل

التقرير لم يكتفِ بالأرقام، بل أشار أيضا إلى أنماط متكررة من التحايل: استمرار صرف معاشات لأشخاص متوفين لم يبلغ عن وفاتهم في الوقت المناسب، تقديم شهادات حياة مشكوك فيها صادرة عن إدارات محلية ضعيفة الرقابة، أو الاعتماد على هويات مزدوجة تسمح لشخص واحد بتقاضي أكثر من معاش. هذه الممارسات، وإن كانت محدودة من حيث الكم، وظفت سياسيا وكأنها ظاهرة ممنهجة تستدعي استنفار الدولة الفرنسية ضد “احتيال جنسيات بعينها”.

المغرب والجزائر في قفص المراقبة

اللافت أكثر هو الإجراءات العملية التي أوصى بها التقرير. ففي المغرب، ستفرض خطة جديدة تقوم على استدعاء 11% من المتقاعدين سنويا للتحقق من وضعهم، مع تنفيذ حوالي 80% من هذه العمليات عبر “شركاء محليين” في عين المكان.

أما في الجزائر، فالنسبة أكبر: 16% من المتقاعدين سيخضعون للفحص سنويًا، و97% من هذه التحققات ستتم عبر شبكة مصرفية محلية.

بعبارة أخرى، فرنسا اختارت أن تحول أراضي هذين البلدين إلى مختبر دائم للرقابة، وكأن المشكلة مغاربية الطابع لا أكثر. أما المعاشات التي تصرف في بلجيكا أو البرتغال أو إسبانيا، حيث يعيش عشرات الآلاف من الفرنسيين المتقاعدين أيضا، فلا تحظى بنفس “التركيز الأمني”.

من المستفيد من هذه الرواية؟

الأكيد أن مكافحة الغش واجبة، وأن حماية المال العام مسؤولية لا جدال فيها. لكن التركيز المبالغ فيه على المغرب والجزائر لا يخلو من خلفيات سياسية واضحة. إنها لغة الأرقام حين تتحول إلى ذخيرة انتخابية، تخدم نزعة متنامية داخل فرنسا ترى في المهاجر كبش فداء جاهزا دائما.

المفارقة الكبرى أن هؤلاء المتقاعدين أنفسهم كانوا في الأمس القريب عمال المناجم والمصانع الذين ساهموا في بناء فرنسا الحديثة، واليوم صاروا يقدّمون للرأي العام الفرنسي كمتلاعبين و”محتالين” بالجملة.

من هنا، لا يبدو تقرير ديوان المحاسبة مجرد وثيقة تقنية، بل هو مرآة تعكس انجرافا متسارعا نحو خطاب اليمين المتطرف، حيث الأرقام تتحول إلى شعارات انتخابية، والرقابة تتحول إلى وصمة جماعية.

إعلان gardenspacenouaceur

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى