
السفير 24 – جمال اشبابي – باريس
كلمة الفصل لا تقال دائما في قاعات الاجتماعات ولا في بيانات رسمية. أحيانا تأتي في لحظة روحانية صافية، حيث يقف رجل واحد في محراب زاوية عتيقة، ليعيد ترتيب المشهد كله. هذا ما حدث مساء 16 غشت 2025 في مداغ، حين ظهر “سيدي” منير القادري يؤم المصلين في حضرة البودشيشيين، في صورة بدت للمتابعين أقوى من كل البيانات والبيانات المضادة.
في مقطع مصور تداوله أتباعه على المنصات، سبقه ظهوره وهو يتقدم الصفوف لإمامة الصلاة، بدا المشهد أشبه برسالة رمزية تدرس فن إخماد الخلاف قبل أن تنطق كلمة واحدة. وحين اعتلى المنبر بكلماته، بعد وفاة والده، اختار الشيخ أن يخاطب القلوب بلسان هادئ ومتزن، خال من الانفعال ومن أي نزعة لفرض الذات.
بل على العكس، جاءت عباراته بروح من يضع مصلحة الجماعة فوق كل اعتبار، مؤكدا أن الزاوية ليست حكرا لأحد، وإنما عهد روحي مع الله، ثم مع أمير المؤمنين. وهي رسالة تختصر في جوهرها فلسفة التصوف المغربي في أبهى معانيه: ارتباط صادق بالدين والوطن، بعيدا عن منطق الصراع أو مطامع الزعامة.
وقد شدد منير على أن من يحمل “السر” هو من يوحد القلوب، لا من يفرقها. في هذه الجملة بالذات، ظهرت روح المربي الذي يعرف أن دوره لا يقف عند حدود الخلافة الصوفية، بل يتجاوزها إلى بناء أجيال مؤمنة بالتجرد والوفاء. فالتربية الصوفية ليست مجرد أوراد وأذكار، بل هي أيضا مدرسة في السموّ فوق الأهواء.
الأكثر دلالة في كلمته قوله: “لا نبحث أن نكون شيوخا، بل أن نكون فقراء إلى الله”. هنا قدم منير نموذجا نادرا في التعامل مع الخلافات: لا مواجهة، ولا مزايدة، بل انسحاب راق إلى منطقة أسمى، حيث يصبح التواضع والتجرد هما السلاح الأقوى في حسم المعارك الخفية. إنها طريقة في “إدارة النزاع” بالمعنى الصوفي للكلمة: تحويل الخلاف إلى فرصة للتذكير بجوهر التصوف نفسه.
لقد بدا واضحا أن الرجل يضع نصب عينيه طموحا أكبر من مجرد تثبيت المشيخة. طموحه أن تظل الزاوية فضاء جامعا وملهما ومربيا للأجيال، بعيدا عن ضيق الحسابات العائلية أو الشخصية. فحين ختم كلمته بالتأكيد أن “السند الرباني مستمر”، لم يكن يخاطب فقط المريدين الممزقين بين ولاءات متناقضة، بل كان يقول بلسان الحال: إن بركة الطريقة لا تنقطع باختلاف الأشخاص، وإن قوة الزاوية تكمن في روحها الجامعة، لا في اسم شيخها.
لقد قدم منير القادري، في تلك اللحظة الفاصلة، نموذجا راقيا في ردم هوة الخلاف. نموذج يذكر بأن الزعامات الروحية الحقيقية لا تنتزع بالصوت العالي ولا بالانتصارات الظرفية، وإنما تكسب بالقدرة على تهدئة النفوس، وإعلاء قيمة العهد، والتشبث بثابت جامع هو إمارة المؤمنين.
وهنا تتجلى قوة خطابه: لم يكن مجرد كلمة في مواجهة أزمة، بل كان نداء صريحا إلى المريدين بضرورة الالتفاف حول جوهر الطريقة، بدل الانجرار وراء الانقسامات. فالخلافات قد تعصف بالجماعات، لكنّ الحكمة قادرة على تحويل لحظة الانقسام إلى فرصة لإعادة التلاحم. وهذا بالضبط ما فعله منير بكلماته: استبدل منطق الصراع بمنطق الوفاء، وأعلى راية التواضع فوق كل اعتبار، ليؤكد أن الطريق الصوفي ليس مسرحا للمنافسة، وإنما جسر نحو الله، وحضن جامع للأمة.



