في الواجهةكتاب السفير

المغاربة ليسوا “عباد الدوارة”!

المغاربة ليسوا "عباد الدوارة"!

le patrice

السفير 24 – اسماعيل الحلوتي

خلافًا للسنوات الماضية، التي كان فيها المغاربة أكثر انشغالًا بالحديث عن أسعار الأضاحي كلما اقترب موعد عيد الأضحى، لاسيما في ظل ما باتت تشهده بلادنا من جفاف وغلاء في أسعار الأعلاف وغيرها من المواد الأساسية، تحول الحديث خلال هذه السنة عن التهافت على شراء “الدوارة” واللحوم، أيّامًا قليلة قبل حلول “العيد الكبير”، الذي ارتأى الملك محمد السادس، بصفته أميرًا للمؤمنين، أن يرفع الحرج عن الأسر الفقيرة وذوي الدخل المحدود، من خلال الدعوة إلى عدم القيام بشعيرة ذبح أضحية العيد لهذه السنة، مستحضرًا في ذلك التحديات المناخية والاقتصادية والتراجع الكبير في القطيع الوطني…

ففي رسالة ملكية سامية، تلاها وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية أحمد التوفيق يوم 26 فبراير 2025، قال جلالته:
“إن حرصنا على تمكينكم من الوفاء بهذه الشعيرة الدينية في أحسن الظروف، يواكبه واجب استحضارنا لما يواجه بلادنا من تحديات مناخية واقتصادية، أدت إلى تسجيل تراجع كبير في أعداد الماشية… ولهذه الغاية، وأخذًا بعين الاعتبار أن عيد الأضحى هو سنة مؤكدة مع الاستطاعة، فإن القيام بها في هذه الظروف الصعبة سيلحق ضررًا محققًا بفئات كبيرة من أبناء الشعب، لاسيما ذوي الدخل المحدود. ومن منطلق الأمانة المنوطة بنا، كأمير المؤمنين والساهر الأمين على إقامة شعائر الدين، وفق ما تتطلبه الضرورة والمصلحة الشرعية، وما يقتضيه واجبنا في رفع الحرج والضرر وإقامة التيسير، والتزامًا بقوله تعالى: “وما جعل عليكم في الدين من حرج”، فإننا نهيب بشعبنا العزيز إلى عدم القيام بشعيرة أضحية العيد لهذه السنة.

إذ سنقوم، إن شاء الله تعالى، بذبح الأضحية نيابة عن شعبنا، وسيرًا على سنة جدنا المصطفى، عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام، عندما ذبح كبشين وقال: هذا لنفسي، وهذا عن أمتي”.

بيد أنه، ما إن بدت أسعار اللحوم والخرفان في التراجع مباشرة بعد الرسالة المولوية الكريمة، حتى عادت الأسعار من جديد، وفي ظرف وجيز، للارتفاع، بسبب ما أصاب البعض من “لهطة” إثر الإقبال الكثيف على شراء اللحوم وأحشاء الخرفان والأبقار، أو ما يطلق عليها “الدوارة”.

حيث شهدت الأسواق ومحلات الجزارة في مختلف مدن المملكة، في الأيام القليلة التي تسبق عيد الأضحى، ازدحامًا مثيرًا ومقلقًا، مما أدى إلى التهاب الأسعار بشكل لافت ومخيف، لاسيما فيما يخص المنتجات الأكثر طلبًا، من قبيل الكبد والقلب، حيث قفز سعر الدوارة إلى 800 درهم، ورأس الخروف إلى 200 درهم…

وإذا كان بعض المهتمين بالشأن العام، والجزارين بشكل خاص، يرون في هذا التهافت على اللحوم و”الدوارة” تعبيرًا عن رغبة الأسر المغربية في الحفاظ على أجواء عيد الأضحى وتكريس عاداته وتقاليده، رغم غياب الأضحية، ودعا باحثون في الشأن الديني إلى ضرورة “الاستهلاك المعتدل”، فإن آخرين، وهم كثر، يتأسفون لعدم مواكبة الرسالة الملكية بحملات تحسيسية، حول أهمية ما جاء في مضامينها من دعوة صريحة إلى ترسيخ قيم التضامن والقناعة، والتصدي للمضاربين و”الشناقة”، من أجل حماية القدرة الشرائية للطبقات الفقيرة، وحتى المتوسطة، وفسح المجال أمام الماشية للتكاثر.

فإن وزير العدل الأسبق، والقيادي السابق في حزب العدالة والتنمية، مصطفى الرميد، أبى إلا أن يغتنم هذه الفرصة لغرض في نفسه، ويصف، في تدوينة نشرها على حسابه بموقع “فيسبوك”، أولئك المتهافتين على شراء “الدوارة” بـ”الغلاة المتنطعين” و”عباد الدوارة”، رافضًا بشدة مثل هذا السلوك الضار بالمجتمع والمؤذي للجيران، وما أبداه البعض الآخر من إصرار على الذبح السري، رغم التوجيهات الملكية…

وهي التدوينة التي أثارت حفيظة الكثير من المواطنات والمواطنين، وأثارت الجدل في المقاهي، وعلى صفحات التواصل الاجتماعي وغيرها، رافضين أن تصدر مثل هذه الأوصاف المستفزة وغير المحسوبة العواقب عن وزير سابق من حزب ذي مرجعية إسلامية.

وقد خلفت تساؤلات عميقة عن مستوى الخطاب السياسي وحدوده لدى النخب السياسية، في التعاطي مع القضايا الاجتماعية التي تهم فئات واسعة من المجتمع المغربي وغيرها من الأحداث والمناسبات.

إذ هناك من رأى في قوله تجنيًا صارخًا على البسطاء، الذين لا يعرفون لذة الفرح إلا في العيدين الصغير والكبير: عيد الفطر وعيد الأضحى، وأنه لو لم يكن يتمتع بذبح الخرفان على طول السنة، ما كان ليستكثر عليهم هذه اللحظة العابرة من الفرح…

صحيح أن إقدام البعض على الذبح السري أو التهافت على شراء “الدوارة” واللحوم، يعد خروجًا على طاعة ولي الأمر وأمير المؤمنين، ومخالفة لتوجيهاته السامية، ويشكل سلوكًا مرفوضًا.

وصحيح أيضًا أنه لا يجوز لأيّ كان، في ظل هذه الظروف الصعبة، إتاحة الفرصة للمضاربين في التلاعب بالأسعار، والمس بالقدرة الشرائية للفقراء وذوي الدخل المحدود، فضلًا عمّا يمكن أن يترتب عن ذلك من تفاقم الأوضاع، من خلال ارتفاع أسعار اللحوم وإلحاق الضرر بالقطيع الوطني…

لكن ما ليس صحيحًا، هو أن يوصف المغاربة بـ”عباد الدوارة”، والحال أنهم ليسوا سوى عشاق للحم الخروف وأحشائه من كبد وقلب وغيرهما.

وعلى مدبري الشأن العام استخلاص العبرة مما حدث، إذ: ماذا أعدوا لهم من برامج بعد أن تحولت شعيرة عيد الأضحى إلى عادة مترسخة في وجدانهم؟

وأين نحن من دور الأحزاب السياسية، والمدارس التعليمية، ودور العبادة، ووسائل الإعلام، في مواكبة الرسالة الملكية السامية، الداعية إلى اتخاذ كافة الإجراءات الكفيلة بالحفاظ على القطيع، والقيام بما يلزم من تأطير المواطنين؟

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى