
السفير 24 – العيرج ابراهيم : ابن شهيد
في قلب مقبرة شاسعة تتربع على أطراف مدينة نائمة، حيث تمتد صفوف شواهد القبور كجيش صامت، ولد “نجم”. لم يرَ نجم والده قط، شهيد حرب الصحراء الذي روى بدمائه أرض الوطن قبل أن يرى نور عينيه. لكن نجمًا لم يعش كباقي الأطفال في كنف أم ثكلى وجدة حنون. لقد اختار، أو ربما اختارته الأقدار، أن يكون بيته بين قبور الشهداء.
كان نجم يبلغ من العمر عشر سنوات، نحيلًا، بعينين واسعتين تكتنزان حكمة أكبر من سنه. كان يعرف كل شاهد قبر، كل اسم محفور عليه، وكأنهم أفراد عائلته. كان يقضي أيامه يتجول بين القبور، ينظفها من الغبار، يضع عليها أغصان الزيتون البرية التي يجمعها من التلال المجاورة، ويحدثهم بصوت خفيض كأنه يهمس بأسرار الكون.
في ليالي الصحراء الباردة، عندما يعم السكون وتهب الرياح ناقلة معها حكايات الماضي، كان نجم يلتف بعباءة والده القديمة، التي لا تزال تحتفظ برائحة تراب المعارك ورائحة الوطن، وينام بين القبور. لم يكن يشعر بالخوف، بل كان يشعر بالأمان، وكأن أرواح الشهداء تحيط به وتحرسه.
كان يتخيلهم، هؤلاء الرجال الذين يرقدون تحت التراب. كان يتخيل “عليًا” الذي تحول جسده إلى أشلاء بفعل قذيفة غادرة، لم يبق منه إلا ذكريات باهتة في قلوب رفاق السلاح. كان يتخيل “سعيدًا” الذي شتت رصاصة طائشة رأسه، تاركة وراءها فراغًا أبديًا في عيون أمه. كان يتخيل “خالد” الذي تقطعت أوصاله في كمين ليلي، تاركًا خلفه زوجة شابة ترتدي ثوب الحداد الأبدي.
كان نجم يستمع إلى حكاياتهم بصمت، حكايات الرصاص المتطاير كالمطر، ودوي المدافع الذي يهز الأرض هزًا، وصراخ الجرحى الذي يخترق سكون الليل. كان يتخيل رائحة البارود التي تخنق الأنفاس، وطعم الغبار والمرارة في الفم، والخوف الذي يتملك القلوب قبل لحظات المواجهة.
لم يكن نجم يرى في هذه القبور نهاية، بل كان يرى فيها بداية لقصص بطولية، لرجال ضحوا بأغلى ما يملكون من أجل تراب هذا الوطن. كان يرى في صمتهم قوة، وفي رفاتهم عظمة.
في أحد الأيام، وبينما كان نجم يجلس بجوار قبر والده، وجد قطعة معدنية صدئة مدفونة جزئيًا في التراب. حفر حولها بحذر حتى استخرجها بالكامل. كانت قطعة من صفيحة عسكرية مثقوبة بعدة ثقوب. حملها نجم بين يديه الصغيرتين وشعر بقشعريرة تسري في جسده. تخيل اللحظة التي اخترقت فيها هذه الشظايا جسد والده، اللحظة التي صعدت فيها روحه الطاهرة إلى السماء.
لكن بدلًا من الحزن واليأس، شعر نجم بشيء آخر، شعور بالفخر. فخر بأن والده كان من بين هؤلاء الأبطال، فخر بأنه جزء من هذه الأرض التي ارتوت بدماء الشهداء.
كبر نجم وهو يعيش بين القبور، يحمل في قلبه ذكرى والده ورفاقه. لم يصبح جنديًا كما كان يتمنى البعض، بل أصبح حارسًا لهذه الذاكرة، راويًا لحكاياتهم، وشاهدًا على تضحياتهم. كان الأطفال يأتون إليه ليستمعوا إلى قصص الأبطال، وكان الكبار يأتون إليه ليجدوا السلوى والعزاء بين قبور أحبائهم.
أصبح نجم، الطفل الذي ولد بين القبور، رمزًا للصمود والأمل، وبرهانًا على أن أرواح الشهداء تبقى حية في قلوبنا، وأن تضحياتهم لن تذهب سدى. لقد تعلم أن الحياة يمكن أن تنبت حتى من بين رفات الموتى، وأن الذاكرة هي أقوى سلاح في وجه النسيان.



