
السفير 24 – بقلم: د. ادريس الفينة
تتقدم الصين بخطوات ثابتة على المسرح الاقتصادي العالمي، مدفوعة باستراتيجية واضحة ورؤية مستقبلية تستغل فيها مواردها وإمكاناتها إلى أقصى حد. ومع ذلك، فإن هذا التقدم لا يخلو من تأثيرات عميقة على الاقتصاديات الأخرى، بما فيها اقتصاديات الدول المتقدمة. في هذا المقال الأول من سلسلة مقالات تتناول هذا الموضوع، نركز على كيفية مساهمة الدول الأخرى – عن قصد أو غير قصد – في تطور الصين، وفي الوقت نفسه إضعاف اقتصاداتها.
يُعد نمو الاقتصاد الصيني أحد أكثر الظواهر الاقتصادية إثارة للجدل في العقود الأخيرة. فمنذ إطلاق سياسة الإصلاح والانفتاح في أواخر السبعينيات، شهد الاقتصاد الصيني نمواً غير مسبوق، حيث بلغت معدلات نموه السنوية أحياناً أكثر من 10%. وعلى الرغم من تباطؤ هذا النمو في السنوات الأخيرة، فإنه لا يزال يمثل تحدياً مباشراً للاقتصادات الأخرى.
وفقاً لتقرير البنك الدولي لعام 2023، كانت الصين وحدها مسؤولة عن 35% من النمو العالمي منذ عام 2000. وقد تحقق هذا النمو بفضل استراتيجيات تصدير مكثفة ودعم حكومي ضخم للشركات المحلية، مما أدى إلى هيمنة المنتجات الصينية في الأسواق العالمية. في المقابل، أدى هذا النجاح إلى خسائر كبيرة في الوظائف والصناعات في الدول الأخرى. فبينما أضاف الاقتصاد الصيني ملايين الوظائف إلى سوق العمل المحلي، شهدت دول مثل الولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا إغلاق العديد من المصانع وتسريح آلاف العمال.
على سبيل المثال، تكشف بيانات وزارة العمل الأمريكية أن قطاع الصناعات التحويلية في الولايات المتحدة فقد حوالي 5 ملايين وظيفة بين عامي 2000 و2020، وهو ما يُعزى بشكل كبير إلى الاعتماد على الواردات الصينية.
المنتجات الصينية، التي أغرت العالم بجودتها المتزايدة وأسعارها المنخفضة، يمكن وصفها بـ”حصان طروادة” الاقتصادي. هذه المنتجات ليست مجرد سلع تجارية، بل هي أدوات استراتيجية تخفي وراءها أهدافاً بعيدة المدى. فهي تنقل التكنولوجيا، وتخلق اعتماداً عالمياً على الصين، وتقوّض الاقتصادات المحلية للدول التي تستوردها بكثافة.
تقدم الصين منتجات تحتوي على تقنيات متطورة بأسعار تنافسية، مما يجعلها الخيار المفضل للمستهلكين في جميع أنحاء العالم. ومع ذلك، فإن هذا “المحتوى التكنولوجي العالي” غالباً ما يكون مستورداً أو مقتبساً من ابتكارات في دول أخرى، مما يعني أن الصين تستفيد من الابتكار العالمي دون تحمل تكاليفه. علاوة على ذلك، تعتمد الصين على نموذج إنتاج منخفض التكلفة مدعوم بأجور منخفضة ودعم حكومي كبير، مما يمنحها ميزة تنافسية. لكن هذه الأسعار لا تعكس التكاليف البيئية والاجتماعية التي تتحملها الصين والعالم.
في حين أن الشركات والحكومات غالباً ما تلقي باللوم على الصين بسبب اختلال التوازن التجاري، تتحمل الدول الأخرى جزءاً كبيراً من المسؤولية. الإدمان العالمي على المنتجات الصينية الرخيصة أدى إلى التضحية بالصناعات المحلية وقبول شروط اللعبة الصينية. وفقاً لبيانات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (UNCTAD)، بلغ حجم الاستثمار الأجنبي المباشر في الصين حوالي 180 مليار دولار في عام 2022. جزء كبير من هذا الاستثمار جاء من شركات كبرى تسعى إلى خفض التكاليف، مما ساعد على تعزيز القدرات الصناعية للصين على حساب الصناعات المحلية. علاوة على ذلك، بلغ العجز التجاري للولايات المتحدة مع الصين حوالي 382 مليار دولار في عام 2022، مما يعني أن الولايات المتحدة تستورد بكثافة من الصين دون أن تتمكن من تصدير ما يكفي لتعويض هذا العجز. كجزء من الاتفاقيات التي تسمح بالدخول إلى السوق الصينية، تضطر الشركات الأجنبية إلى نقل التكنولوجيا والمعرفة إلى الشركات المحلية، مما يعزز القدرات التنافسية للصين.
التقدم الصيني ليس مجرد معجزة اقتصادية، بل هو نتيجة معادلة معقدة تعمل بسلاسة منذ عقود. تتغذى هذه المعادلة على غياب استراتيجيات اقتصادية متماسكة في الدول الأخرى وعلى الإدمان العالمي على المنتجات الصينية. ومن خلال تقديم المنتجات الصينية كـ”حصان طروادة”، تدخل الصين إلى الأسواق العالمية ليس فقط كطرف تجاري، بل كقوة اقتصادية تفرض معادلات جديدة وتعيد رسم موازين القوى.
في الجزء القادم من هذه السلسلة، سنناقش كيف يمكن للدول اتخاذ إجراءات لاستعادة توازنها الاقتصادي وتقليل اعتمادها على الصين، مع الحفاظ على علاقة اقتصادية متوازنة ومستدامة.



