في الواجهةكتاب السفير

مهام تحت المجهر لجامعة الحسن الثاني بالبيضاء.. تساؤلات وهواجس حول حوافز اسناد المسؤوليات بالرئاسة وتدبير المشاكل.. والملفات الساخنة برئاسة وهياكل الجامعة -الجزء الأخير

REGION CASA SETTAT

بقلم: ذ. ساجد المصطفى

كلية الحقوق – المحمدية

فمن خلال الأدبيات الاقتصادية والتجارب الملموسة والنماذج الاقتصادية لمجموعة من الدول عبر العالم، فهناك علاقة وطيدة وحتمية بين البحث العلمي والنمو الاقتصادي (خلق الثروة وفائض الموارد).

إلا أنه على مستوى الدول التي لا تشجع البحث العلمي، فالطبقة النافذة سياسيا واقتصاديا (caste dirigeante). لها قسطها من الثروة وثمار النمو والذي لا يتأثر بنسب النمو، الشيء الذي يفسر تهميش الابتكار العلمي وتخصيص ميزانيات جد ضئيلة للبحث العلمي. فالميزانية المرصودة للبحث العلمي لسنة 2017 تمثل 0.8% من الناتج الداخلي الخام (PIB). 

فإذا كان الكل يجمع على مسؤولية الدولة في تهميش البحث العلمي، من خلال ضعف الميزانية المخصصة لذلك، فيجب التوضيح أن عوامل أخرى تؤثر على المردودية العلمية بالمؤسسات الجامعية والتي لها ارتباط بنمط التسيير وبمدى احترام النصوص المنظمة، وبنمط الحكامة التي لها تأثير سلبي على ظروف الاشتغال والعطاء العلمي، واختصاصات الهياكل المعنية وبمسألة تحفيز وتشجيع الفاعلين المعنيين بالانتاج العلمي.

    فما تعيشه مجموعة من المؤسسات الجامعية، من تجاوز للهياكل وللنصوص المنظمة للقطاع دليل على عدم تحمل بعض رؤساء المؤسسات لمسؤولياتهم فيما يتعلق بتطبيق القانون والسهر على ضمان السير العادي للهياكل وذلك باحترام اختصاصاتها.

  إن معالجة هذه الوضعية تتطلب تدخلا حاسما من قبل رئيس الجامعة وتحمله لكامل مسؤولياته من خلال فرض سلطته التي يخولها له القانون، عوض ترك الحبل على الغارب.

  فلا يعقل أن ذوي المسؤوليات الإدارية بالمؤسسات الجامعية (رؤساء المؤسسات النواب، الكتاب العامون في حالات شغل هذه المهمة من طرف أساتذة باحثين) يزاولون كذلك مسؤوليات بيداغوجية وعلمية مضافة كمنسقين لتكوينات الماستر والإجازة، ومدراء لمراكز البحث والمختبرات، ومدراء لمراكز دراسات الدكتوراة، كل ذلك ضدا على حالة التنافي.

 إذ إن تحمل المسؤوليات الإدارية يقتضي منه بالدرجة الأولى توجيه كل اهتمامه واشتغالات صوب المهام الإدارية، خاصة أنه يتم صرف تعويضات مقابل تحمل هذه المسؤولية بصفة كاملة.

 والملاحظ بناء على ما يحدث في مجموعة من المؤسسات يتم استغلال هذه المهام بهدف الظفر، عبر طرق ملتوية، بهذه المسؤوليات.

 فيما يخص تنسيق التكوينات يتم تهميش وتجاوز دور الشعب، كما أن رؤساء هذه الشعب عبر تواطؤ مكشوف يؤشرون لوحدهم دون الاحتكام إلى الجموع العامة للشعب على مشاريع اعتمادات التكوينات.

 على سبيل الذكر، في بعض المؤسسات يتم تجاهل بصفة تامة الرجوع إلى الجموع العامة للشعب لبلورة مشاريع التكوينات الأساسية والمستمرة، ولمناقشتها والمصادقة عليها أولا قبل طرحها على الهياكل المعنية الأخرى بمسطرة الاعتماد (مجلس المؤسسة، مجلس الجامعة، الوزارة الوصية).

 نفس المعضلة بالنسبة لإدارة المختبرات ومراكز الدكتوراة، إذ يتم اللجوء إلى استغلال موقع المسؤولية معتبرينها أداة لبسط النفوذ والهيمنة للاستفادة من التسهيلات الشخصية والاستثناءات، هذا ناهيك أن نفس الأساليب تمارس خلال دراسة مشاريع الاعتماد بمجلس الجامعة عبر تجييش نماذج من طينة “الأعضاء- السفراء” المفروض عليهم إسداء خدمات ” جليلة” لذوي نعمتهم.

 علما بأن هناك من عمل على استنفاد مجموعة من المهام البيداغوجية و العلمية ومنحها الأولوية على حساب المهام الأصلية المنوطة به، مما يطرح العديد من التساؤلات بشأن هذه الحوافز.

 فإن شغل مهمات تنسيق التكوينات وإدارة مراكز البحث والمختبرات ومراكز دراسات الدكتوراة، من طرف ذوي المسؤوليات الإدارية، يتم مباركته من طرف الفاعلين المعنيين (رؤساء الشعب، أعضاء مراكز البحث والمختبرات، مدراء المختبرات).

 فالوضعية المأساوية التي قد تنجم عن الخلط بين المسؤوليات الإدارية والمسؤوليات العلمية والبيداغوجية تتجسد من جهة في سلوكيات استغلال المهام والمقايضات وربط الحقوق بالمحسوبية والزبونية، ومن جهة أخرى تحريك أساليب الانتقام والتعسف على الحقوق والمهام لفاعلين خارج دائرة الولاء.

  في ظل هذا الوضع المزري الذي يعيشه الحرم الجامعي، تتبادر إلى السطح العديد من علامات الاستفهام بشأن صمت وتفرج الفاعل الجامعي، على هذا الانحدار الذي يضرب الجامعة في مقتل دون العمل والسعي على اتخاذ موقف مسؤول يرد الاعتبار للجامعة ويضع حدا للنزيف بحيث أضحى من الصعب تحسيس وتحريك الفاعلين الجامعيين حول قضية تهدد مسار الجامعة.

  إذ المؤسف أن اللامبالاة والخنوع أضحت سيدة الموقف، وتم الإجهاز على روح مقاومة الإسفاف وبلوغ الدرك الأسفل الذي أودى بالحياة الجامعية، عوض العمل على تبني إستراتيجية مواجهة نماذج التحكم والانتهازيين كعنوان لتفشي الطموحات البورجوازية الصغرى لدى ” المثقف الجامعي” الذي أصبح همه وهاجسه تكريس نمط استهلاك البورجوازية الريعية وطرق الاغتناء السريع، والتسلق الاجتماعي (الاستثمار في المشاريع العقارية، التهافت المفرط على الاستفادة في إطار التعاونيات والوداديات السكنية، الاستثمار في مؤسسات التعليم الخصوصي، شغل مهنة حرة: المحاماة، مكاتب الاستشارة، الاستغلال الفاحش للمسؤوليات ذات المنفعة العامة…)

 سؤالنا هل هناك بالجامعة العمومية المغربية من بقايا أفكار المثقف العضوي الذي يضع حياته في خطر خدمة لأفكاره وقناعاته؟ 

على ما يبدو أن هذا النوع من المثقف أصبح من الكائنات التي عرفت الانقراض بالجامعة العمومية ، بحيث يمكن وصفه ضمن خانة البقايا الأركيولوجية ) (vestiges archéologiques) ، التي يجب أن تدخل ضمن حقل اهتمامات ودراسات علماء الآثار.

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى